انطلاقًا من أنَّ العمل الاجتماعي مسؤوليَّة وطنيَّة تشاركيَّة تتكامل فيها أدوار منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها ومؤسَّسات المُجتمع الأهلي والقِطاع الخاص، بما يُعزِّز التَّماسُك الاجتماعي ويحفظ كرامة الإنسان ويدعم مسارات التنمية المستدامة، جاءت الأرقام الَّتي استعرضتها معالي وزيرة التنمية الاجتماعيَّة أمام مجلس الشورى لِتعكسَ قراءة دقيقة لواقع الجهد الوطني، وتجسِّد مسار التنفيذ العملي لمستهدفات رؤية «عُمان 2040» المرتبطة بالإنسان والرفاه وجودة الخدمات والحوكمة والتمكين.
واتَّسم طرح أصحاب السعادة أعضاء المجلس وردود معالي الوزيرة بالشفافيَّة والوضوح، مدعومًا بالدراسات ولجان العمل والمتابعات الميدانيَّة، ما أسهم في تقديم صورة واقعيَّة لميدان العمل الاجتماعي، والتأكيد على تكامل البُعد الاجتماعي مع القرار الوطني والإجراءات الاقتصاديَّة، لا سِيَّما ما يتعلق بالباحثين عن عمل، والمُسرَّحِين، واستدامة الوظائف، وكفاءة أدوات التشخيص واستراتيجيَّات المعالجة. حيثُ يكتسب هذا الطرح أهميَّته في هذه المرحلة من خلال دعوته الصريحة إلى جميع منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها ذات العلاقة في استدراك مسؤوليَّاتها في تحمُّل هذا العبء، والعمل على سدِّ منافذه، والوقوف على الأسباب والمسبِّبات، وصولًا إلى اتفاق مُجتمعي مشترك يؤدي إلى خلق مسار وطني أكثر تنسيقًا وتكاملًا في التعامل مع القضايا المعيشيَّة للمواطن، وارتباطها الوثيق بمسار الإجراءات الاقتصاديَّة على وجْه الخصوص، آخذة في الاعتبار لتحقيق العدالة والكفاءة واستدامة الأثر أهميَّة رفع منظومة الدَّعم والحوافز والتسهيلات الممنوحة.
لقد أبرزت إحصائيَّات عام 2025م حجم الجهد المبذول في مختلف قِطاعات الوزارة ومجالات عملها. وهنا يأتي تركيزنا على مجال المساعدات الاجتماعيَّة، حيثُ بلغ عدد الحالات المستفيدة أكثر من (22) ألف حالة، بإجمالي تجاوز (17) مليون ريال عُماني. وأنَّ لجان التنمية الاجتماعيَّة والفِرق التطوعيَّة التابعة لها قدَّمت ما يزيد على (12) مليون ريال عُماني لأكثر من (350) ألف أُسرة، واستفاد أكثر من (10) آلاف شخص من مبادرة «فك كربة»؛ فهذه الأرقام لا يُمكِن النظر إليها باعتبارها مجرَّد بيانات إحصائيَّة جامدة، بل هي مؤشِّرات دالة على تحوُّلات نوعيَّة في بنية العمل الاجتماعي في سلطنة عُمان، وعلى انتقاله من منطق الرعاية التقليديَّة إلى منظومة تمكين متكاملة، تتوازن فيها الحماية الاجتماعيَّة مع الاستثمار في قدرات الإنسان، وتلتقي فيها الاستجابة الآنيَّة مع الرؤية الاستشرافيَّة بعيدة المدى.
ورغم أنَّ المؤشِّرات تعكس مفهومًا أعمق للتكافل الاجتماعي والسَّمْت العُماني وأصالة هذا المُجتمع في تعاون أبنائه وتكاتفهم وحيويَّة المُجتمع الأهلي وتجذُّر ثقافة التكافل فيه، وتجسيدًا عمليًّا لمبدأ الشراكة المُجتمعيَّة، حيثُ تتحول التنمية من مسؤوليَّة حكوميَّة خالصة إلى مسؤوليَّة وطنيَّة جامعة، تتوزع أعباؤها وتتكامل أدوارها. وما تعنيه استفادة أكثر من (10) آلاف شخص من أبعاد إنسانيَّة عميقة في السياسات الاجتماعيَّة، قوامها صون الكرامة الإنسانيَّة، ومعالجة أوضاع الفئات المتعثرة بروح إصلاحيَّة تُعِيد دمجها في المُجتمع، وتفتح أمامها أبواب الأمل والعمل. إلَّا أنَّها تعكس حجم المسؤوليَّة الاجتماعيَّة الَّتي تضطلع بها الحكومة في ضمان الحدِّ الأدنى من العيش الكريم للمواطن، وتكشف في الوقت ذاته عن اتِّساع قاعدة المستفيدين من الأُسر المعسرة ومحدودة الدخل وذات الاحتياج، الأمر الَّذي يستدعي استمرار تطوير أدوات الاستهداف، وتعزيز منظومات الحوكمة والرقابة؛ لضمانِ وصول الدَّعم إلى مستحقِّيه بكفاءة وعدالة واستدامة وفي الوقت نفسه الوقوف على الأسباب الَّتي أدَّت إلى ارتفاع هذه الفئة وتداعياته على منظَّمة الحماية والرعاية الاجتماعيَّة.
ومع اليقين بما تحمله هذه المؤشِّرات من جهود نوعيَّة تضع العمل الاجتماعي في سلطنة عُمان في إطار أكثر تكاملًا، يعظِّم من كرامة الإنسان وحضوره في أبجديَّات التنمية وأولويَّات العمل الوطني؛ فإنَّها في المقابل تُمثِّل دعوةً صريحة للوقوف عندها، والنظر في الأسباب الكامنة وراء اتِّساع هذه الفئات ونُمو أعدادها، وإعادة تقييم المسبِّبات الَّتي دفعت إلى هذا المسار، للقناعة بأنَّه لا يُمكِن للحكومة، بأيِّ حال من الأحوال، أن تتحمل منفردة مسؤوليَّة الصرف المتزايد على هذه الفئات في ظل ارتفاع الأعداد وزيادة المستحقين؛ لِمَا يُشكِّله ذلك من ضغط على الموازنات العامَّة، ولِمَا قد ينعكس على أولويَّات التنمية الأخرى. ومن هنا فإنَّ قراءة هذه الأرقام ينبغي ألَّا تقتصر على بُعدها الكمِّي، بل تتجاوزه إلى تحليل سياقاتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، واستشراف مسارات المعالجة المستدامة.
وهنا نشير إلى أنَّ التحدِّيات المرتبطة بالباحثين عن عمل وتسريح العُمانيين من وظائفهم، أو ما يحصل من إجراءات تقنينيَّة قد يفهم منها تضييق أنشطة البيع في الطرقات بدعوى الحفاظ على المظهر الحضاري، ليست قضايا قِطاعيَّة تخصُّ جهة بِعَيْنِها، بل هي قضايا اقتصاديَّة ـ اجتماعيَّة مركَّبة، تتطلب استجابة تكامليَّة بَيْنَ مؤسَّسات الدَّولة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في التمكين والاستدامة. فالوزارة، بحُكم اختصاصها الاجتماعي، تتحمل تبعات مباشرة لهذه القرارات، إذ تنتقل الأُسر المتضررة تلقائيًّا إلى دائرة الاحتياج، ما يفرض ضغطًا إضافيًّا على منظومة الحماية والرعاية الاجتماعيَّة وبشكل أخص مجال «المساعدات الاجتماعيَّة». لذلك نعتقد بأنَّ المعالجة المستدامة الناجحة والناجعة لا تكُونُ عَبْرَ تقديم المساعدات فقط، بل ببناء حلول مؤسَّسيَّة استباقيَّة تعالج جذور المُشْكلة.
إنَّ هذه المعطيات تؤكد اليوم، بما لا يدع مجالًا للشك، على أهميَّة تعاون جميع منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها في مساندة وزارة التنمية الاجتماعيَّة في التعامل مع هذا الارتفاع المتزايد في أعداد المستحقين والمسجَّلين في منظومة الحماية والرعاية الاجتماعيَّة، وتعزيز دَوْر لجان التنمية الاجتماعيَّة والفِرق التطوعيَّة التابعة لها، بما يرسِّخ عقيدة الشراكة الوطنيَّة، ويؤسِّس لوقفة جماعيَّة واعية تَقُوم على جملة من المرتكزات الداعمة لجهود الوزارة، والهادفة إلى الحدِّ من ارتفاع أعداد هذه الفئات المستحقة تحت أيِّ مسمَّى أو أيِّ ظرف كان، وتقليل الاعتماد الكُلِّي على الإنفاق الحكومي المباشر في ظل ارتفاع حجم الصرف على الأُسر المستحقَّة.
وبالتَّالي تبقى إدارة هذا الملف مرتبطة بجملة من الموجّهات من بَيْنِها الآتي:
ـ إنَّ توفير أنظمة حماية اجتماعيَّة للشَّباب العاملين في العمل الحُر وريادة الأعمال وبخاصَّة أبناء الأُسر المعسرة ومحدودة الدخل والأُسر المستحقَّة، يُمثِّل خطوة محوريَّة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، لتمتدَّ التغطية التأمينيَّة للعاملين لحسابهم الخاص، وتقديم الدعم الفنِّي والمالي، وخلق فضاءات تسويقيَّة داعمة، وتخصيص نِسَب من المناقصات الحكوميَّة للشركات الصغيرة والمتوسطة، كُلُّها أدوات تسهم في توسيع القاعدة الاقتصاديَّة، وتوفير وظائف لائقة ومستدامة وبخاصَّة للأُسر المستحقة.
ـ إنَّ أيَّ معالجة لملفات التسريح والباحثين عن عمل يَجِبُ أن تنطلق من فهمٍ عميق للمتغيرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والظواهر الفكريَّة في المُجتمع العُماني، باعتبارها نتاجًا لتراكمات لا يُمكِن معالجتها إلَّا بإغلاق باب التسريح غير المنضبط وغير المبرر، وضبط أسبابه، وتعظيم الاستثمار في المورد البشري. ففتح المجال أمام الشَّباب العُماني للاستفادة من الفرص المتاحة، وتعزيز ثقته في الاعتماد على النفس والعمل الحُر، وتوظيف التسهيلات والحوافز والتشريعات الداعمة، كُلُّها مسارات تُسهم في الحدِّ من انتقال مزيدٍ من الأُسر إلى دائرة الاحتياج.
ـ أهميَّة استمرار جهود الوزارة في حوكمة العمل الاجتماعي الخيري بما يَضْمن استدامة موارده وتعظيم أثَره. فإعادة هيكلة هذه المنظومة على أُسُس مؤسَّسيَّة وتشريعيَّة واضحة، تستوعب المسؤوليَّة الاجتماعيَّة للشركات، والصناديق الوقفيَّة، والعمل التطوعي، والجمعيَّات الخيريَّة، ومبادرات اللجان المحليَّة، من شأنها أن تُعزِّز كفاءة توجيه الدَّعم، وتمنع الازدواجيَّة، وتوسع نطاق الشراكة المُجتمعيَّة، وبما يَضْمن انتقال العمل الخيري من مبادرات متفرقة إلى منظومة تنمويَّة منظَّمة، تمكِّن الفئات المستفيدة من الاعتماد على النفْس والخروج التدريجي من الدائرة الاقتصاديَّة الضيِقة.
ـ تعزيز حضور الجمعيَّات التعاونيَّة يُمثِّل مسارًا عمليًّا في هذا الاتجاه؛ فهي قادرة على الجمع بَيْنَ المعالجة الاجتماعيَّة والتنشيط الاقتصادي، من خلال توفير فرص استثماريَّة ووظيفيَّة داعمة للأُسر المحتاجة، بحيثُ تتبنى في أدوات عملها برامج تدريبيَّة متخصصة لإعداد شباب الأُسر محدودة الدخل وتأهيلهم لمشروعات إنتاجيَّة. إنَّ مرونة هذه الجمعيَّات، وقربها من المُجتمع، وكفاءة آليَّاتها، وقدرتها على تدوير الموارد محليًّا، كُلُّها عوامل تُسهم في تنشيط الحركة الاقتصاديَّة في المحافظات، وخفض الضغط عن الحكومة في تلبية الاحتياجات المتزايدة.
ـ إعادة توجيه «الوقف» أحد أهم الخيارات الاستراتيجيَّة البديلة لتحقيق الاستدامة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. فالوقف، بما يتَّسم به من استمراريَّة وتجدُّد، يُمكِن أن يُشكِّل رافدًا حقيقيًّا لدعم الأُسر المعسرة ومحدودة الدخل، وتمويل برامج التدريب والتشغيل، ومعالجة التعثر المالي. غير أنَّ ذلك يتطلب قراءة استشرافيَّة مرنة لمنظومة الوقف المنتج في سلطنة عُمان، وتوسيع مجالاته بما يتناغم مع أولويَّات التطوير، وتعزيز الوعي بثقافة التنويع الوقفي بحيثُ لا تنحصر في بناء المساجد والجوامع، بل تمتدُّ إلى المساهمة في تمكين الأُسر ذات الاحتياج اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
أخيرًا، ومع ثقتنا بجهود وزارة التنمية الاجتماعيَّة مشكورة، إلَّا أنَّها لا يُمكِن أن تواجهَ هذا التحدِّي الناتج عن ارتفاع أعداد الفئات المستحقة بمفردها، لذلك تأتي أهميَّة استمرار التنسيق والتكامل وتعظيم مسار الشراكة والمسؤوليَّة الجمعيَّة مع المؤسَّسات والقِطاع الخاص في معالجة قضايا الباحثين والمُسرَّحِين ومسار الدَّعم في مواجهة غلاء المعيشة؛ يضاف إليه وعي المُجتمع وتكاتف المواطنين في التعاون مع فِرق البحث الاجتماعي، والإفصاح عن واقعهم المعيشي بشفافيَّة وموضوعيَّة، وامتلاك الأُسر لروح التعاون والإيثار والمسؤوليَّة بالشكل الَّذي يوجّه أثَر هذا الدَّعم إلى مستحقيه.
د.رجب بن علي العويسي