الثلاثاء 01 سبتمبر 2026 م - 19 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

هل نحتاج إلى صياغة جديدة لبناء علاقات إنسانية وطيدة؟

هل نحتاج إلى صياغة جديدة لبناء علاقات إنسانية وطيدة؟
الثلاثاء - 24 فبراير 2026 06:51 ص

سعود بن علي الحارثي

30

في مركز خدمات المراجعين لمكتب الوساطة الماليَّة الَّذي كنتُ أتردَّد عليه على مدى سنوات طويلة، سألتُ الموظَّفة الَّتي طلبتْ منِّي التوقيع على أوراق أوامر بيع وشراء بعض الأسهم، عن صحَّة وأوضاع زميلتها المتقاعدة قَبل أشْهُر، والَّتي كانت معها في نفْس القِسم والمكتب لفترة طويلة جدًّا، فأجابتني قائلة بأنَّ التواصل بينهما قد انقطع ولا تَعْلَم شيئًا عن حياتها الجديدة، ولم تشأ إزعاجها بعد أن دخلت في أجواء التقاعد الَّتي تتطلب الراحة والاسترخاء والهدوء، كما أنَّ فترة العمل الطويلة وزحمة برنامجها اليومي ومتطلبات أُسرتها تأخذ مُعْظم وقتها وتفضل تحجيم قائمة علاقاتها وأسماء مَن تتواصل بهم. ساعتها سرحتْ بي الأفكار وتدفَّقتْ عليَّ الذكريات بشأن هذه الحياة الواسعة والضيِّقة، ماضيها وحاضرها، فشرَّقتْ بي وغرَّبتْ وتوقفتُ على عتبة العلاقات الإنسانيَّة الَّتي ربطتنا بأشخاص وأطراف فتوطدتْ بَيْنَنا أواصر القرابة في الأفكار والمصالح، في النقاش وتبادل الرؤى وسلسلة من المشتركات الَّتي جمعتنا، الحُب والودّ والمشاعر الصادقة والسفر معًا والتطواف في الداخل واللقاءات اليوميَّة. في ساحات وطرقات القرية والحارة وبساتينها وأسواقها ونحن أطفال بسطاء في التفكير والرؤية نغنِّي ونلعب ونتراكض، وننسج المقالب والمكائد، ونغير على أشجار المانجو والفواكه في «الضواحي»، لا نعي بعد مصاعب الحياة ومفاجآتها وما يخبِّئه لنا المستقبل، لا نكترث وقتها لموتٍ وفقْدٍ وفقرٍ ودسائس ومؤامرات وشِراك، وأصغر عمرًا وفكرًا وعِلمًا من أن نخطط لقادم الأيَّام، لا أهداف ولا تطلُّعات، حياتنا جميلة مفعمة بالنشاط والحيويَّة والتفاؤل، نضع أدمغتنا على الوسادة فندخل سريعًا في نوم عميق نعتقد بأنَّ الدنيا جامدة متوقفة ولن تحدثَ علينا تغييرًا وتحوُّلًا ولن نكبر في العمر وسنبقى صغارًا نلهو ونلعب ونستمتع بعلاقاتنا الحميميَّة مع الأصدقاء وأبناء العم والخال وأقراننا في الحارة أو القرية. وفي مقاعد الدراسة استبدلنا أصدقاء الطفولة بأصحاب وزملاء وتلاميذ يشاركوننا الصف والمدرسة والمناهج والأفكار الَّتي نمتْ وتطوَّرتْ في تحوُّل ثانٍ من تحوُّلات الحياة. وفي مرحلة أخرى انتقلنا من مقاعد الدراسة إلى قاعات العمل ومكاتب المؤسَّسات الحكوميَّة والخاصَّة، والممارسة الميدانيَّة، فأصبح لنا أصدقاء جُدد نتبادل معهم التطلُّعات ونتشارك هموم الوظيفة ونسابق الخُطى على الترقية والامتيازات فانفتحتْ آفاق جديدة ومتطلبات أخرى، وظهرتْ منافسات ومشاكسات من نوع آخر لم تكُنْ من طبيعتنا في المراحل الأولى من العمر، فاتَّسعتْ مُشْكلات الحياة وأوجاعها... في ملفَّاتي الشخصيَّة الَّتي وثَّقتُها وصنَّفتُها وحفظتُها في مكتبتي، خصصتُ قِسمًا لرسائل أصدقاء الطفولة والمدرسة الَّتي خطتْ قَبل أربعة عقود تقريبًا، ويصل بعضها إلى صفحتين وثلاث، تعبِّر عن النفَس الطويل والوفاء للصداقة والعلاقات الوطيدة والحُب والودِّ والسعادة لتبادُل هذه الرسائل، والتهاني بالمناسبات الدِّينيَّة والاجتماعيَّة والشخصيَّة، والسؤال عن الوطن وأحواله والوالدين والأعمام والأصدقاء الآخرين، وعندما أرجع إليها أتعجب وأتساءل: كيف كنَّا نحصل على الوقت، ونمتلك القدرة والإرادة على التعبير وتسويد الصفحات بمئات الأسطر لكتابة رسالة لصديق وأخ؟ في حين أنَّنا نتعلل اليوم بزحمة الأعمال وبأنَّ تنفيذ برنامجنا اليومي لا يكفيه ما نملكه من وقت، هذا لأنَّ النفوس لم تَعُدْ كما كانت، والثقافة تبدَّلتْ وقائمة الأهداف والاهتمامات تغيَّرتْ كلِّيًّا، ووسائل التواصل وتقنيَّات المعلومات العصريَّة والوظيفة وتجذُّر المصالح أجرتْ تحوُّلًا ضخمًا على حياتنا، هذه القائمة الطويلة من الزملاء والأصدقاء ورفقاء الطفولة والعمل وجيراننا في الأحياء الَّتي سكنَّا فيها وانتقلنا منها إلى أخرى أكثر تقدُّمًا وحداثة، ومن عرفناهم وتحدَّثنا معهم وأُعجبنا بأفكارهم وثقافتهم وطرحهم... أين هم الآن؟ معظمهم لا نعرف أين هي ديارهم؟ وماذا صنعت بهم الحياة؟ وهل ما زالوا يدبون على الأرض ويسعون في رحابها أم غيَّبهم الموت؟ وآخرون تصلنا أخبار مرضهم أو موتهم فنترحم عليهم ونسأل لهم المغفرة والجَنَّة، والقليل منهم ما زلنا نتواصل معهم أو نلتقي بهم على فترات متباعدة، فقد أصبحتِ الحياة ضيِّقة رغم انفتاحها، والتواصل قليلًا وشكليًّا وإن تمَّ فمن أجلِ تحقيق مصلحة ومنفعة وقضاء حاجة، والكُلُّ مشغول بنفسه وبتحقيق أهدافه ومآربه وطموحاته وبناء مستقبله، جميعنا نلهث ونركض وراء تحقيق قائمة من المتطلبات والاحتياجات المُتجدِّدة، الوقت ضيق والحياة زحمة، والساعات نستهلكها في العمل وفي أجهزة التقنيَّة الحديثة ولا وقت لدَيْنا للتواصل والعلاقات! نسأل الأخ عن أخيه فيقول: لم ألتقِ به منذ فترة طويلة. والجار لا يعرف اسم جاره، وزميل العمل لا يتصل بمن شاركه مهامه وهمومه لسنوات بعد تقاعده ليطمئنَّ عليه ويسأل عن أخباره وأحواله، فالقواسم المشتركة تلاشتْ والمكان الَّذي يجمعهما لم يَعُدْ كذلك، وشتَّان بَيْنَ علاقات اليوم الَّتي تناول ما آلتْ إليه المقال، وبَيْنَ علاقات الآباء في الماضي الَّتي كانوا يورثونها لأبنائهم وكان الأخ والصديق والجار... يقدِّم التضحيات وكُلَّ ما يملك، ويسأل ويتواصل ويكتب الرسائل، ويَقُوم مقام صديقه وجاره وقريبه في كُلِّ شأن وأمر. فهل نحتاج إلى صياغة جديدة لبناء العلاقات على ضوء المستجدَّات الَّتي طرأتْ على حياتنا؟

سعود بن علي الحارثي

[email protected]