.. فقد رأينا كيف يتعانق اللفظ مع السياق فرحًا وحزنًا، كبرًا وصلفًا، عدلُا وظلمًا.. ونحوها من سياقات القرٱن الكريم.
والمثال الرابع من علم النحو: ما ورد في سورة الواقعة من قوله تعالى:(ويطوفُ عليهم ولدانٌ مخلدونَ، بأكوابٍ وأباريقَ وكأسٍ من معين، لا يصدّعون عنها ولا ينزفون، وفاكهةٍ مما يتخيرون، ولحمِ طيرٍ مما يشتهون، وحورٌ عينٌ، كأمثالِ اللؤلؤِ المكنون) (الواقعة ١٧ - ٢٣).
هنا نجد الكلمات كلها مجرورة لكونها معطوفة على مجرور أو صفة مجرورة، ولكنه خالف هذه القاعدة، ورفع في كلمة (وحور) وما بعدها مرفوع ومخالف للكلمات قبله، وتلك مخالفة متعمدة وجدت لمعنى أرقى، ودلالة أسمى، فلو أنه حافظ على توحيد الإعراب (وهو الأصل) لكان معنى هذا أن يطاف بالحور العين مع الأكواب، والأباريق، والكؤوس، والفاكهة ولحوم الطير، فيقول هذا للحورية: (لا أريدك اليوم)، ويقول هذا:(مري بعد ساعة)، ويعلق ثالث:(غدًا إن شاء الله)، على ما في ذلك من رد محبط لها، حيث تجد نفسها - وهي الحور العين - موضع رفض مرة، وقبول مرجأ أخرى، فتشعر بالمهانة والخزي والألم والوجع النفسي الكبير، والأصل احترام المرأة في الإسلام، ورفع منزلتها، وعلو مكانتها: دنيا وأخرى، فجاء السياق القرٱني رفعًا مخالفًا لأصل القاعدة، ورفع (حور عين) على الابتداء، والواو لعطف الجمل، ويكون المعنى أن الحور العين من جمالهن ودلالهن، وكمالهن أمثال اللؤلؤ المكنون، فرفعها لفظًا لرفعتها معنى وسياقًا، لأنه يتحدث عن أصحاب اليمين وهم من هم منزلة ومقامًا، فرفع اللفظ ليتساوق مع رفع منزلتهن في الجنة كما رفعها في الدنيا، فليست مخالفة الإعراب لأجل المخالفة، وإنما لتتماشى صيغة الرفع في اللفظ مع صيغة الرفع التي جعلها القرٱن الكريم لأصحاب اليمين، فنقول:(رفع اللفظ لرفعة السياق، وسمو مكانة الحور عند الله، وفي جنته، ولتشعر المرأة بقيمتها وسموها وعلو منزلتها في جنان الخلد حورًا، كما رفعت في دار الدنيا نساء كرائم، وزوجات أطهارًا، ومؤنسات كبارًا أبرارًا).
وهكذا تتضح قضية الربط بين ورود اللفظة القرٱنية وما يعتريها من حذف وإعراب، وتوجيه والسياقات القرٱنية المسوقة لقيم وأهداف ربانية، وهذه قضية مهمة، تتطلب من الباحثين الجادين دراستها لغويًا في كل القرٱن الكريم، وبيان كيف تتٱلف، وتتمازج الكلمة القرٱنية مع سياقاتها القرٱنية، وتدرس إما بإيراد نماذج متفرقة من الكتاب العزيز فقط، وإما أن تدرس في مقطوعات قرٱنية متعددة، وإما أن تتناول في سور كاملة، تستجلى فيها تلك المسألة، وهي تساوق اللفظة مع سياقها القرٱني بكل ألوانها: نحوًا وصرفًا وبلاغة وتجويدًا ووقفًا وابتداء، ورسمًا للمصحف، وربط ذلك كله بالسياق؛ حتى يتأكد ارتباط الأمرين، وتماشيهما مع بعضهما في رسم المقاصد القرٱنية، والقيم الربانية، والحكم الإلهية، وعلى القارئ الحصيف وجود تلك الصلة بينهما، والوقوف على عطاءاتهما، ومزج اللفظ بالمعنى السياقي، وتداخله في نسج مقاصد القرٱن الكريم، ومزج أهدافه وغاياته بألفاظه، وكلماته.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية