الثلاثاء 24 فبراير 2026 م - 6 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : ماذا يريد المعلم العماني فـي يومه السنوي؟

في العمق : ماذا يريد المعلم العماني فـي يومه السنوي؟
الاثنين - 23 فبراير 2026 07:05 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

تحتفل سلطنة عُمان، ممثلةً في وزارة التعليم، بيوم المُعلِّم العُماني الَّذي يصادف الرابع والعشرين من فبراير، وسط تحوُّلات نوعيَّة تشهدها منظومة التعليم، يوم خالد في ذاكرة التعليم يحمل في طيَّاته معاني سامية، ومواقف عظيمة، وتجليات سامقة، تبرز دَوْر المُعلِّم العُماني على مرِّ التأريخ، وتسجِّل في الذاكرة الحضاريَّة العُمانيَّة ما بذله المُعلِّمون في سبيل بناء الأوطان ووعي الإنسان ونهضة القِيَم وصون المبادئ.

إنَّ الاحتفال بيوم المُعلِّم العُماني رابطة وطنيَّة تتشارك فيها جهود مؤسَّسات الدَّولة ذات الصِّلة المباشرة وغير المباشرة والمواطنين حَوْلَ المُعلِّم، تقف على واقع عمل المُعلِّم والمعطيات الَّتي شكَّلت هذا الواقع، والتحدِّيات الَّتي باتتْ تنغِّص على المُعلِّم استدامة الجهود، وكفاءة الأداء، وتفعيل الأدوات، والفرص والنماذج الَّتي باتتْ تُمثِّل خطَّ سَيرٍ للمُعلِّم لاستشراف المستقبل، وتستفيد من الجهد الإقليمي والدّولي في تعزيز كفاءة الجهد الوطني المقدّم نَحْوَ المُعلِّم، وتعزيز المكانة الحقوقيَّة والمهنيَّة والوظيفيَّة والأدائيَّة الَّتي يحظى بها المُعلِّم العُماني في ظلِّ اكتمال البنية التشريعيَّة والتنظيميَّة والمؤسَّسيَّة، والأثر المترتب على جاهزيَّة هذا المسار على المنظومة التعليميَّة عامَّة، وعلى دَوْر المُعلِّم بشكلٍ خاص.

وبالتَّالي ما يُمثِّله هذا اليوم التاريخي في الذاكرة التعليميَّة لسلطنة عُمان من قِيمة مضافة لحشد الجهود الوطنيَّة المؤسَّسيَّة والأُسريَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة على حدٍّ سواء نَحْوَ المُعلِّم العُماني وتقريب الصورة التفاعليَّة الواقعيَّة الَّتي تستشرف دَوْر المُعلِّم ومكانته في المُجتمع وما يحظى به من تقدير واعتراف مُجتمعي بِدَوْره المحوري ومسؤوليَّاته الكبيرة، في ظل مرحلة كونيَّة متسارعة تحمل الكثير من المعطيات والتحدِّيات والظروف والمتغيِّرات والخصوصيَّات الَّتي تستدعي بناء سيناريوهات جديدة ومنهجيَّات تتناسب وطبيعة التحوُّل الحاصل في دَوْر المُعلِّم العُماني والتوقُّعات منه وطبيعة الجهد المطلوب منه في ظل معطيات التحوُّل المؤسَّسي والرقمي، بما يَضْمن إعادة توظيف الفرص لصالح التعليم وصناعة التوازنات في دَوْر المُعلِّم ورسالته السَّامية، وبقدر ما يحمله هذا اليوم من رسالة إلى المُجتمع عامَّة ومؤسَّسات الدَّولة المعنيَّة بالتعليم والمُعلِّم خاصَّة بما يَجِبُ عليها من وقفات ومراجعات للسياسات والخطط والبرامج الموجَّهة نَحْوَ المُعلِّم، وموقعه في منظومة التطوير والبناء والتحسين والإجادة والحقوق والحوافز والصلاحيَّات والامتيازات، فإنَّها فرصة لضمان وجود الإرادة الوطنيَّة والعمل الجمعي المنظّم نَحْوَ المُعلِّم، من خلال الوقوف على قضاياه ومطالباته المشروعة، وحقوقه المكتسبة، والتحدِّيات الَّتي باتَ يواجهها نتيجة تطبيق منظومة إجادة أو غيرها ـ حفاظًا على توازنه النفْسي والفكري وانطلاقته المهنيَّة نَحْوَ الوفاء بالتزاماته وتحقيق مسؤوليَّاته نَحْوَ بناء مُجتمع الطلبة وشبب المستقبل ـ وبالتَّالي دراسة لهذه القضايا الَّتي يطرحها عَبْرَ المنصَّات الاجتماعيَّة أو الواقع، مراعيةً خصوصيَّة مهنة التعليم وطبيعة الدَّوْر الَّذي يَقُوم به المُعلِّم، واتِّخاذ إجراءات ثابتة وفْقَ مسار زمني واضح، تضمن فتح نوافذ الأمل والتفاؤليَّة بقادم مشرق يصنع للمُعلِّم مدد العطاء، ونهضة الإنجاز، ويستنطق فيه قِيَم الخيريَّة وأخلاقيَّات الإنسان، وصاحب الرسالة والمنهج، يستنهض العزيمة والإرادة، ويُعزِّز فيه فرص الطموح والحدس بالتغيير، لتصبحَ وقفات هذا اليوم ممارسة تأمليَّة، وجسورًا تواصليَّة، وعمقًا فكريًّا ومعرفيًّا من أجلِ المحافظة على دَوْر المُعلِّم ومكانته ومكتسباته، ومحطَّة لدراسة الجوانب النفسيَّة الفكريَّة والمتغيرات الَّتي تشكِّل شخصيَّة المُعلِّم في ظل أحداث كونيَّة ووطنيَّة متسارعة.

وعليه، يصبح الاحتفال بيوم المُعلِّم فرصة متجدِّدة لتقديم عمل مبتكر يشعر فيه المُعلِّم بالتقدير وحرص المؤسَّسات على تشخيص واقع المُعلِّم وما يريده المُعلِّم العُماني من واقع الممارسة التعليميَّة، وكيف يُمكِن أن يسهمَ إنشاء وزارة التعليم لمرحلة جديدة تضع المُعلِّم أمام توجُّهات قادمة تصنع من التكامل بَيْنَ مراحل التعليم فرصة نوعيَّة في تعزيز كفاءة المُعلِّم وتمنحه فرصًا أكبر للريادة والمنافسة والتدوير والتجريب في ظل مراجعة جادَّة لكُلِّ الظروف المؤثرة، وتفعيل الفرص الهامدة وإعادة إنتاجها لتصبَّ في خدمة رسالة التعليم ووظيفة المُعلِّم، وعَبْرَ إيجاد حلول واقعيَّة وإنتاج بدائل عمليَّة للكثير من التحدِّيات والمنغِّصات الَّتي باتتْ تواجه فاعليَّة دَوْر المُعلِّم وتقف حجر عثرة أمام تقدُّمه وعطائه، من خلال تَبنِّي سياسات عمل واضحة تتعاطي خلالها مؤسَّسات التعليم مع أولويَّات المُعلِّم وطموحاته وتعَبِّر عن إرادة التغيير الَّتي تمتلكها في تصحيح الكثير من الثغرات في ملف المُعلِّم، واضعة في الحسبان فلسفة المُعلِّم، وتشخيص واقعه، والتوقُّعات حَوْلَه، والممكنات والفرص الَّتي تحملها من أجلِ المُعلِّم، وبالتَّالي مستوى تفاعلها مع ما يطرحه المُعلِّم عَبْرَ منصَّات التواصل الاجتماعي أو غيرها من مطالبات المُعلِّمين بحقوقهم وترقياتهم وتحسين بيئة العمل والظروف الَّتي يعمل فيها المُعلِّم وتوفير الخدمات المساندة لعمل المُعلِّم، ثم إعادة قراءة الإنجازات الَّتي تحققت للمُعلِّم العُماني على مختلف الأصعدة في مؤسَّسات الإعداد والتأهيل والخدمة، أو كذلك من المؤسَّسات المعنيَّة بالتشريعات والقوانين واللوائح والأنظمة الَّتي يَجِبُ أن تكفلَ حقوق المُعلِّم، أو تلك الأخرى المعنيَّة بمنظومة الحوافز والمكافآت والترقيات، أو تلك المعنيَّة بنقل صوت المُعلِّم للمُجتمع، ومنع كُلِّ ما يُمكِنه المساس بمكانته، في ظل إعلام احترافي يحفظ الحقوق وينتج الفرص ويبني الطموحات ويصنع الإنجاز ويقوِّي المبادرة ويفتح نوافذ الأمل للمُعلِّم العُماني لمستقبل أفضل يحمل الإلهام ويُحقق الطموح.

إنَّ ما يريده المُعلِّم العُماني اليوم يتجاوز التعبيرات الشكليَّة والعبارات الرنَّانة والاحتفالات الوقتيَّة رغم أهميَّتها كاستحقاق وجوبي له، ولكنَّها لا تكفي للتعبير عن هذا الدَّوْر، ولا تكفي لِتعَبِّرَ عن شرف الامتنان للمُعلِّم، كما لا تكفي لتعطي صورة حقيقيَّة واقعيَّة معززة بمبادرات الواقع وبرامجه في التعبير عن الثقة والتقدير والمكانة الَّتي يحظى بها المُعلِّم العُماني في مؤسَّسات التعليم، حتَّى ليشعرَ المُعلِّم بأنَّ هذا الاهتمام يتجاوز الشعارات البرَّاقة والكلمات المسترسلة والتعابير الكتابيَّة، إلى الواقع بما يجسِّده من حجم الجهد الَّذي تقوم به وزارة التعليم في التعبير الحقيقي عن حسِّ الشعور نَحْوَ المُعلِّم والثقة الَّتي تمنحها له والتقدير الَّذي يستحقه، والَّذي يظهر في مستوى الجهد والممكنات والمكاسب الَّتي ستتحقق للمُعلِّم العُماني في الفترة القادمة، ومدى قرب جهودها من احتياجات المُعلِّم العُماني وطموحاته وقضاياه وتعاملها مع مطالباته الحقوقيَّة بالترقيات والحقوق الوظيفيَّة وحقوق العمل والحوافز والمكافآت والعبء التدريسي، والصلاحيَّات والممكنات، والتقدير الاجتماعي له وتحسين البرامج المقدَّمة للمُعلِّم ومراجعة عمليَّات النقل الداخلي والخارجي، أو كذلك ما يُمكِن أن تقدِّمه مؤسَّسات التعليم فيما يتعلق بطوابير الانتظار من التخصُّصات التربويَّة ـ الباحثين عن عمل ـ وإدماجهم في المدارس، وإعادة تقديم قانون التعليم باعتباره الطريق لتحقيق غايات التعليم الكبرى وطموحات المُعلِّم فيه.

وعليه، فإنَّ الوصول إلى تحقيق هذا المسار، يستدعي اليوم البحث في آليَّات دعم ومساندة المُعلِّم في أداء أدواره بكفاءة وإتقان، وتوفير البيئة التعليميَّة والأدائيَّة المناسبة الَّتي تبني فيه روح التغيير وحسّ المسؤوليَّة وترفع لدَيْه سقف التوقُّعات بالإنجاز، بحيثُ يجد المُعلِّم مساحة أكبر للاحتواء والدعم والمساندة والأخذ بيده والانتقال به إلى صنع السياسات التعليميَّة والبرامج الوطنيَّة المعزّزة للهُوِيَّة والمواطنة والسَّمت العُماني وصناعة المستقبل، وهو أمر يستدعي تعظيم مسار الاستدامة في قراءة هذا الاهتمام حتَّى لا يكُونَ الاحتفال بيوم المُعلِّم ظاهرة صوتيَّة تنتهي بتسليم المُعلِّم شهادات التقدير والمشاركة الَّتي امتلأت بها الأرف؛ بل فرصة وطنيَّة لأن تستدرك المؤسَّسات جميعها مسؤوليَّتها نَحْوَ المُعلِّم لتقدِّمَ له فرصًا نوعيَّة مستحقة، وعندما تتحقق مسارات التوازن في أداء المُعلِّم بَيْنَ تأكيد الدعم والمساندة والمراجعة لأدواره وصلاحيَّاته ومسؤوليَّاته وتقديم المحفِّزات الماديَّة والمعنويَّة له باعتبارها حقًّا وظيفيًّا للمُعلِّم بفعل القانون، وبَيْنَ تطبيق مبادئ النزاهة والمحاسبيَّة والمساءلة وفْقَ الشروط والضوابط، فإنَّ الناتج المتوقع سيكُونُ أكثر إلهامًا وإبهارًا للمُعلِّم وتمكينًا له لمنحِ التنمية الوطنيَّة فرص الجودة، وضمان كفاءة وجاهزيَّة وإنتاجيَّة الجهود الماليَّة والتحفيزيَّة والتشريعيَّة والتنظيميَّة المقدَّمة له، على أدائه وثقته وتنافسيَّته.

أخيرًا، كيف تصنع وزارة التعليم من رؤية الدمج والتكامليَّة بَيْنَ مراحل التعليم ومساراته فرصةً لاستدامة الجهد المقدَّم للمُعلِّم وابتكاريَّته، بما يُعِيدُ تموضع المُعلِّم العُماني في قلب المنظومة التعليميَّة؟ وهل سيكُونُ الاحتفال بهذا اليوم منطلقًا لتشخيص واقع المُعلِّم في ظلِّ التحوُّلات المؤسَّسيَّة والرقميَّة، واستجلاء هواجسه المهنيَّة والنفسيَّة، واستثمار الفرص الَّتي تتيحها رؤية «عُمان 2040» في توسيع أدواره، وتعزيز كفاءته، وتمكينه من أدوات الريادة والابتكار، بما يَضْمن استدامة عطائه، ويُحقق التوازن بَيْنَ متطلبات التطوير وحقوق المُعلِّم وتطلُّعاته المستقبليَّة؟

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]