مع غروب الشمس وتردُّد أذان المغرب في أرجاء المُدن والقُرى، تجتمع العائلات حَوْلَ مائدة إفطار مشتركة، وهي اللحظة الَّتي لا تُمثِّل نهاية صيام يوم فحسب، بل بداية شيء أعمق بكثير: ألا وهو التواصل. بلا شك دائمًا ما يرتبط رمضان بضبط النفس والارتقاء الروحي، لكنَّ أحد أقوى جوانبه أيضًا، والَّذي غالبًا ما يغفل، يكمن في الدفء العاطفي الَّذي يجلبه إلى البيوت من خلال الوجبات المشتركة والترابط الأُسري، خصوصًا في عالم مليء بالروتين والمشتتات الرقميَّة، هكذا يصبح رمضان ملاذًا، ووقتًا للتوقف والتأمل وإعادة التواصل مع مَن يهمهم الأمر.
وهنا يَجِبُ أن نعيَ أنَّ العلاقات الوثيقة تُعَدُّ من أقوى المؤشِّرات على السَّعادة، وصحَّة القلب والأوعية الدمويَّة، وحتَّى طول العمر. لم يكُنِ المال أو الشهرة هما ما يحمي الناس من الأمراض، بل التواصل الإنساني الهادف هو ما يبقى حقيقة. لذلك فشهر رمضان يُعزِّز هذه الشبكة الوقائيَّة بشكل طبيعي من خلال موائد الإفطار اليوميَّة، وإعداد الطعام معًا وما إلى ذلك من ممارسات دينيَّة.
حتَّى أنَّ الأبحاث المتعلقة بوجبات الطعام العائليَّة أظهرتْ فوائد جمَّة للأطفال والمراهقين، مشيرةً إلى أنَّ تناول وجبات الطعام العائليَّة بانتظام يرتبط بتحسين التنظيم العاطفي، وانخفاض خطر تعاطي المخدِّرات، وتحسين الأداء الدراسي، واتباع عادات غذائيَّة صحيَّة. لذلك وبشكلٍ ملموس سنلاحظ كيف أنَّه وخلال شهر رمضان، يتعزز ذلك الإيقاع المنظّم للتجمعات اليوميَّة والتواصل بَيْنَ الآباء والأبناء، ويقوِّي الروابط الأُسريَّة، ويبني شعورًا بالأمان النفْسي.
وبشكلٍ عام وفي عالمنا المزدحم اليوم، قد يكُونُ الحفاظ على وقت تناول الطعام العائلي خلال شهر رمضان أمرًا صعبًا أحيانًا، ومع ذلك سيظلُّ هذا الشهر المبارك يضفي بُعدًا روحيًّا يُعزِّز هذه الآثار. كيف لا؟ وأبحاث عِلم النفْس الإيجابي بَيْنَ أهميَّة صلاة الجماعة والصدقة، وبَيْنَ تحسين المزاج وتخفيف أعراض الاكتئاب. كما أظهرت الدراسات أنَّ ممارسات الشكر وحدها تحسِّن جودة النوم والرضا عن الحياة. وعند ممارستها جماعيًّا ضِمن إطار الأُسرة، تتعمق هذه الفوائد، معزّزة بشكل لافت التعاطف والرحمة والمرونة الاجتماعيَّة.
ختامًا، يهيئ شهر رمضان بيئة ذات مغزى عميق لدَيْنا كمسلِمِين، إذ يوفِّر روابط اجتماعيَّة منظّمة، ودعمًا عاطفيًّا وراحة روحيَّة يدركها مَن عاشها. والآن يفسِّر العِلم ما اختبرته الأجيال السابقة بالفطرة، أنَّه عندما تجتمع العائلات بانتظام، وتتحدث بلطف، وتتناول الطعام وتصلِّي معًا، فإنَّها لا تقوِّي علاقاتها فقط، بل تقوِّي أيضًا جهازها المناعي وقلوبها.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي