تصديق حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ على المرسوم السُّلطاني رقم (32/2026) بالانضمام إلى اتفاقيَّة مكافحة التمييز في مجال التعليم، يعكس التزام سلطنة عُمان بمبادئ العدالة والمساواة، والتأكيد على إتاحة التعليم المجاني بكافَّة مراحله لجميع المواطنين، ويُعَدُّ استمرارًا للنهج السَّامي الَّذي اتبعه جلالة السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ منذ انطلاق النهضة العُمانيَّة الحديثة عندما أطلق مقولته الخالدة: سنعلِّم أبناءنا ولو تحت ظل شجرة.
واتفاقيَّة مكافحة التمييز في مجال التعليم تُعَدُّ إحدى أهم الاتفاقيَّات الدوليَّة الَّتي أقرَّتها منظَّمة الأُمم المتَّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في العام 1960م. ويأتي هذا الانضمام ليضع عُمان ضِمن الدول الَّتي تتبنَّى إطارًا قانونيًّا دوليًّا ملزمًا، يهدف إلى القضاء على جميع أشكال التمييز في التعليم، ويضمن تكافؤ الفرص التعليميَّة للجميع دون استثناء، في وقت تخفَّف فيه كثير من الدول حَوْلَ العالم من أعباء التعليم المجاني، أو أتاحته لشريحة ضيِّقة، تحت ضغط قلَّة الموارد أو توفير النفقات، بَيْنَما سلطنة عُمان تتيح تعليمًا مجانيًّا متميزًا لكافَّة المواطنين والمُقِيمين.
هذه الاتفاقيَّة تمَّ اعتمادها في اجتماع (اليونسكو) الَّذي انعقد قَبل (66) عامًا في العاصمة الفرنسيَّة باريس، وتُعَدُّ بمثابة أوَّل صك دولي ملزم قانونًا، يتناول الحقَّ في التعليم، ويناهض التمييز، وقد صادقتْ عليها حتَّى اليوم (110) دول.
وتنصُّ الاتفاقيَّة: بأنَّ أيَّ استبعاد أو تقييد أو تفضيل، يَقُوم على أساس العِرق أو اللَّون أو الجنس أو اللُّغة أو الدِّين، أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الحالة الاقتصاديَّة أو المولد، ويكُونُ من شأنه إبطال أو إضعاف مبدأ المساواة في فرص التعليم، يُعَدُّ تمييزًا.
ولا يقتصر المفهوم على الحرمان من الالتحاق بالمؤسَّسات التعليميَّة فقط، بل يشمل أيضًا التمييز في مستوى التعليم وجودته، والفرص المتاحة للاستمرار فيه، في المقابل تفرض الاتفاقيَّة مجموعة من الالتزامات على الدول الأطراف، من بَيْنِها إلغاء أيِّ تشريعات أو ممارسات تمييزيَّة في التعليم، وضمان أن يكُونَ التعليم الابتدائي مجانيًّا وإلزاميًّا للجميع، وتوسيع فرص التعليم الثانوي وإتاحته على نطاق أوسع، وإتاحة التعليم العالي على أساس الكفاءة دون تمييز، كما تؤكد الاتفاقيَّة على المساواة في مستوى الجودة والمعايير بَيْنَ المؤسَّسات التعليميَّة المختلفة.
كما تنصُّ الاتفاقيَّة على احترام حُريَّة أولياء الأمور في اختيار نوع التعليم لأبنائهم، بما في ذلك التعليم الدِّيني أو التعليم الخاص، شريطة الالتزام بالمعايير الوطنيَّة العامَّة.
الانضمام للاتفاقيَّة يضيف بُعدًا دوليًّا جديدًا للمنظومة التشريعيَّة العُمانيَّة في قِطاع التعليم، ويُعزِّز اتِّساق السياسات الوطنيَّة العُمانيَّة مع المعايير العالميَّة لحقوق الإنسان، كما يمنح سلطنة عُمان موقعًا أكثر فاعليَّة في المؤشِّرات والتقارير الدوليَّة الَّتي تصدرها منظَّمة اليونسكو حَوْلَ تنفيذ الاتفاقيَّة، والَّتي تُعَدُّ جزءًا من آليَّة المتابعة الدوليَّة الَّتي تقيس مدى التقدُّم في مؤشِّر تحقيق المساواة التعليميَّة.
على الصعيد التنموي، يتوافق هذا الانضمام مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، الَّتي تضع التعليم في صدارة أولويَّاتها؛ باعتباره الركيزة الأساسيَّة لبناء رأس المال البشري وتعزيز التنافسيَّة الوطنيَّة؛ فتكافؤ الفرص في التعليم لا يُعَدُّ فقط التزامًا حقوقيًّا، بل شرطًا أساسيًّا لتحقيق العدالة الاجتماعيَّة وتحفيز الابتكار والنُّمو الاقتصادي.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري