في ظل تأملات شهر رمضان الفضيل، ومع عبادته الَّتي تنقِّي النفْس وتنزّهها، جاءت في بالي فكرة، وهي أن أرصد أهم أخبار العالم في أول (4) أيَّام من الشهر الفضيل، والهدف ليس التعليق عن تلك الأخبار، بقدر أن أرى أنماطها، ونعرف إلى أين نحن ذاهبون؟ فقد رصدنا أبرز التحوُّلات الكبرى بتصريحاتها السياسيَّة، وبياناتها الاقتصاديَّة، تحوُّل الأسواق، وتقلُّب المؤشِّرات خلال ساعات قليلة، وتبدل المواقف الإقليميَّة والدوليَّة بوتيرة متسارعة، حتَّى بدا المشهد العالمي وكأنَّه يتحرك بعصبيَّة ظاهرة تحت سطح من التصريحات الرسميَّة الهادئة، فلم تَكُنِ الأخبار منفصلة عن بعضها، وإنَّما بدتْ كخيوط متشابكة ترسم ملامح مرحلة تتَّسم بالسرعة والحذر في آنٍ واحد، حيثُ تتفاعل السياسة والاقتصاد بصورة لحظيَّة، ويصبح أيُّ تصريح قادرًا على إعادة تشكيل المزاج العام في الأسواق. وبَيْنَما يعيش الصائم حالة مراجعة داخليَّة هادئة، كان العالم الخارجي يختبر إيقاعًا مختلفًا، أكثر توترًا، وأشدَّ تقلُّبًا، ما يدفعنا إلى قراءة هذه الأيَّام الأولى قراءة تتجاوز الخبر ذاته، إلى فَهْمِ النمط الَّذي يتكرر خلْفَه. واللافت أنَّ القاسم المشترك بَيْنَ أغلب الأخبار كان السرعة، سرعة في القرار، سرعة في الردِّ، سرعة في التراجع أحيانًا، لم تَعُدْ هناك مساحات رماديَّة واسعة للتفكير، فالعالم يتَّخذ مواقفه تحت ضغط اللحظة، وتتحرك الأسواق قَبل أن يكتملَ التحليل، وتبنى توقُّعات على إشارات أوليَّة لسنا متأكدين منها، ولا نعي أين تصل بنا؟ لِيغيبَ الوعي والإدراك عن الإنسان.
لقد قررتُ قَبل أن أقوم بالتجربة، ألَّا أتحدث عن حدث بِعَيْنِه، لكن علي ملاحظة النمط، التغيير، التأثير، فوجدتُ حين اقتربت أكثر من التفاصيل أنَّه رغم اختلاف المكان والحدث والتوقيت...إلخ، تجد قاسمًا مشتركًا واحدًا، هو ما يؤثِّره الحدث على الأرقام، فكُلُّ خبر وراءه رقم يصعد أو ينزل، وهذا الرقم يؤثِّر على مجموعة أرقام تصدَّرت العناوين، وهذه الأرقام أحدثت تحوُّلات تمسُّ حياة الناس بصورة مباشرة. ارتفاع أسعار الفائدة هنا يعني ببساطة أنَّ تكلفة التمويل ترتفع، وأنَّ المصنع الَّذي كان يخطّط لخطِّ إنتاج جديد قد يؤجِّل قراره انتظارًا لوضوح الرؤية، ما يجعل الباحثين عن عمل ينتظرون أيضًا، وأنَّ مشروعًا كان قاب قوسين من الانطلاق يعود إلى أدراج الدراسة، وتراجع الصادرات في هذه البقعة يؤثِّر على الجميع بدرجات متفاوتة، ويزيد ارتباك سلاسل الإمداد، ليتخطى الأثر جداول التجارة، ويظهر في خطوط إنتاج تعمل بطاقة أقلّ، وفي موظف يتساءل بصمت عن استقرار راتبه مع كُلِّ تراجع في الطلب، وتقلُّب أسعار الطَّاقة ينعكس على كلفة النقل والتشغيل، وعلى فاتورة منزل تتضخم تدريجيًّا، فيُعَيدُ الأب حساباته بَيْنَ احتياجات أساسيَّة ورغبات مؤجلة. أمَّا القرارات الاستثماريَّة المترددة فتترجم إلى مستثمر صغير يختار الانسحاب من السوق بدل المجازفة، وإلى فرص عمل تتأخر في الظهور. هكذا تتحول الأرقام من نِسَب ومؤشِّرات إلى قصص إنسانيَّة يوميَّة، تُكتَب بهدوء في دفاتر القلق الفردي قَبل أن تُسجَّل في تقارير المؤسَّسات، وهذا بالتحديد ما لمستُه وشغل بالي في متابعة الأخبار في الفترة المحدَّدة.
ومع تراكُم هذا الإيقاع المتسارع، ومع تراكُم تداعياته كما أشرنا، يظهر بوضوح أثَر آخر لهذا التسارع بجانب الأرقام وما تظهره من إشكاليَّات على الإنسان المعاصر.. صحيح أنَّ الأثر الجديد أقلّ وضوحًا في العناوين، لكنَّه أكثر عمقًا في النفوس. فما نشاهده وأشعر به من إرهاق نفسي جماعي يتسلل إلينا بهدوء، يؤثِّر على سلامنا النفْسي، فنحن نعيش تحت ضغط دائم من «الحدث المتسارع»، خبر يتبعه خبر، وتحليل يعقبه تحليل، حتَّى تتراكم الأزمات قَبل أن نفهمَ أبعاد سابقتها، والهاتف أصبح يعطينا التحديثات بأسرع وقت، فلم تَعُدْ هناك فسحة زمنيَّة كافية لالتقاط الأنفاس أو لهضم ما يجري. فالعالم يتحرك بإيقاع لا يمنح الإنسان فرصة للتأمل أو الاستيعاب، ومع كُلِّ تقلُّب جديد، تتشكل حالة من الاعتياد القلق، حيثُ يصبح الاضطراب جزءًا من المشهد اليومي، وتتحول المفاجآت إلى أمر متوقع. لقد رأيتُ هذا بقرار إبعاد الهاتف أو عدم متابعة أيِّ أحداث في أول (4) أيَّام من رمضان الخير، والاكتفاء بالعبادة والعيش وسط الأُسرة. لكن عند عودتي إلى المقال، اكتشفتُ هذا التسارع، واكتشفتُ أيضًا أنَّنا اعتدنا التقلب حتَّى صار جزءًا من طبيعة الحياة الحديثة؛ فالحقيقة ليست في نوع الأخبار أو تأثير الأرقام فقط، لكن في القلق المزمن الَّذي جعلنا نستسلم لسرعة الحياة بصمت، وتركنا الحدث يَقُود وعينا بدلًا من أن نَقُوده نحن، ونمنعه من التأثير علينا وعلى الدائرة الصغيرة من حياتنا.
وعند توسيع العدسة أكثر، يبدو المشهد وكأنَّ العالم يعمل بسرعة الخوارزميَّات، لا يُدار بعقل البشر كما كان سابقًا، فالأسواق تتحرك ببرمجة آنيَّة، أشْبَه بمخرجات الذكاء الاصطناعي وتستجيب الأنظمة لنبض البيانات قَبل أن يستوعبها البشر، بَيْنَما الإنسان ما زال يعمل بنظام بشري يسعى للخروج عن النمط عَبْرَ التفكير خارج الصندوق، بالإضافة للجزء الشاعر الَّذي يسمع القلب ويلتزم سرعة الإحساس والتجربة والخوف والأمل. ولعلَّ هذا التباين يكشف فجوة آخذة في الاتساع بَيْنَ منطق المؤشِّرات ومنطق البشر، فالنظام الاقتصادي الراهن يُدار بكفاءة رقميَّة عالية، ويقيس نجاحه بمنحنيات النُّمو وحركة الرسوم البيانيَّة، في حين يبحث الإنسان عن الطمأنينة والاستقرار ومعنى الأمان في تفاصيل حياته اليوميَّة.. بَيْنَ شاشة المؤشِّرات ودفتر الملاحظات، هناك (4) أيَّام تجربة كانت كافية أن أصل لقرار وهو أنَّني أدركتُ أنَّ الرَّقم لا يشعر بالقلق.. لكن مَن يقرأه يشعر. فالعالم قد يعتاد التقلُّبات ويتعامل معها كدَوْرات طبيعيَّة، غير أنَّ الإنسان يحتاج إلى مساحة استقرار حقيقيَّة، يحتاج إلى شعور بأنَّ حياته ليست رهينة بيان عاجل أو تصريح يخرج من زعيم أو رئيس بلد ما ليست في قارَّته أساسًا.
إبراهيم بدوي