تُعزِّز الدول اليوم مفهومَ السيادة الصحيَّة بوصفه أحد أعمدة الأمن الوطني الشامل، بعدما أثبتتِ التجارب العالميَّة أنَّ النظام الصحِّي القوي يُمثِّل خط الدفاع الأول عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتكشف مسارات التطوير في العديد من الدول أنَّ الاستثمار في التخصُّصات الدقيقة، وتوطين الخدمات العلاجيَّة المعقَّدة، وبناء القدرات الوطنيَّة، لم يَعُدْ خيارًا إداريًّا، وإنَّما قرار استراتيجي يحمي الدَّولة من الارتهان لسلاسل إمداد خارجيَّة وتقلُّبات جيوسياسيَّة مفاجئة، وعندما تنجح دولة في إجراء جراحات متقدِّمة داخل حدودها، وتَبْني فِرقًا طبيَّة قادرة على إدارة حالات كانت تحال سابقًا إلى الخارج، فإنَّها ترسِّخ استقلال قرارها الصحِّي، وتخفِّض في الوقت ذاته كلفة الإحالات، وتُعزِّز كفاءة الإنفاق العام. هذا التحوُّل يُعَبِّر عن فَهْمٍ أعمق لِدَوْر القِطاع الصحِّي؛ باعتباره ركيزة إنتاجيَّة، حيثُ يرتبط الأمن الصحِّي مباشرة بقدرة المُجتمع على العمل والاستثمار وتحقيق النُّمو، وتتجلى حقيقة واضحة مفادها أنَّ السيادة في عصرنا تُقاس بمؤشِّرات القوَّة التقليديَّة، بجانب قدرة الدَّولة على حماية صحَّة سكَّانها، وبناء منظومة متكاملة تَضْمن استدامة الخدمة وجودتها وعدالتها.
يرسِّخ التحوُّل الرَّقمي في القِطاع الصحِّي مرحلة نوعيَّة تقاس بالأرقام، حيثُ انعكس إدخال نظام QR Code لصرف الأدوية في خفض زمن الانتظار بالصيدليَّات من (40) دقيقة إلى (15) دقيقة فقط، وهو مؤشِّر مباشر على أثر التكنولوجيا في تحسين تجربة المستفيد ورفع كفاءة التشغيل، كما أسْهَم التوسُّع في الاستشارات الطبيَّة الافتراضيَّة في تنفيذ (45) ألف استشارة حتَّى الآن مع مستهدف يبلغ (70) ألف استشارة، ما يعكس انتقالًا فعليًّا نَحْوَ نمط رعاية أكثر مرونة وأقلّ كلفة. وفي مجال البنية الرقميَّة، تمَّ ربط (65%) من المؤسَّسات الصحيَّة بأنظمة (PACS/شفاء) مع خطَّة للوصول إلى (90%)، بما يُعزِّز تكامل البيانات وسرعة تداولها بَيْنَ المنشآت المختلفة، وامتدَّ أثَر الذَّكاء الاصطناعي إلى فحص اعتلال شبكيَّة العين لمرضى السكري، حيثُ جرى فحص أكثر من (25) ألف مريض، ما أسْهَم في تقليص قوائم الانتظار والكشف المبكر عن المضاعفات، كما تمَّ إدخال خدمات الطِّب الاتصالي في (6) تخصُّصات لمتابعة أكثر من (1200) مريض عن بُعد، في خطوة تؤكِّد أنَّ الرَّقمنة لم تَعُدْ مشروعًا تجريبيًّا، وإنَّما مسار مؤسَّسي يُعِيدُ تشكيل منظومة الرعاية الصحيَّة وفْقَ معايير السرعة والدقَّة والاستدامة.
تعكس مؤشِّرات العدالة الصحيَّة تحوُّلًا ملموسًا في كفاءة توزيع الخدمات الصحيَّة، وتقليص فجوات الوصول بَيْنَ المحافظات، حيثُ تجاوزت نِسَب خفض قوائم الانتظار في بعض التخصُّصات (60%) نتيجة التوسعات وتحسين إدارة الموارد، فقد تقلَّصت فترات الانتظار في عيادات الأمراض الوراثيَّة من (8) أسابيع إلى (3) أسابيع بنسبة تحسُّن بلغتْ (62%)، وفي أمراض الغدد الصمَّاء من (6) أسابيع إلى أسبوعين بنسبة (67%)، بَيْنَما انخفض زمن انتظار علاج الأورام الكيماوي من (4) أسابيع إلى (10) أيَّام بنسبة (60%)، وأسْهَم تشغيل وحدات القسطرة القلبيَّة في صحار ونزوى وصور في تقليل الضغط على المستشفيات المرجعيَّة، وخفض الازدحام في أقسام الطوارئ بالمحافظات بنسبة تراوحت بَيْنَ (30%) و(40%). وتؤكِّد هذه الأرقام أنَّ توزيع الخدمات أصبح ركيزة استقرار اجتماعي واقتصادي، إذ يرتبط تقليص زمن الانتظار بارتفاع الإنتاجيَّة وتحسُّن جودة الحياة، ويُعزِّز ثقة المُجتمع في قدرة المنظومة الصحيَّة على تلبية احتياجاته بكفاءة وعدالة.
إنَّ استدامة القِطاع الصحِّي تُمثِّل المرحلة الأعمق في مسار التطوير، حيثُ ينتقل التركيز من توسيع الخدمة إلى إدارة منظومة متكاملة قادرة على الاستمرار بكفاءة ماليَّة وبشريَّة وتقنيَّة، وتعكس موازنة عام 2026 الَّتي بلغتْ نَحْوَ مليار ريال عُماني حجم الالتزام المؤسَّسي بتعزيز التغطية الشاملة وتوسيع البنية الأساسيَّة في مختلف المحافظات، فيما ارتفعت قِيمة المناقصة الموحَّدة للأدوية والمستلزمات الطبيَّة إلى (202) مليون ريال لعامَي 2025 و2026 مقارنةً بـ(149) مليونًا في 2023، مع تحقيق وفورات بلغتْ (27.4) مليون ريال، ونُمو في الشراء من الشركات الوطنيَّة بنسبة (150%) لِيصلَ إلى (18.65) مليون ريال، كما شهدتِ الصناعة الدوائيَّة توسعًا بوجود (20) مصنعًا قائمًا و(18) قيد الإنشاء، إلى جانب تسجيل (389) دواءً من الشركات الوطنيَّة، ما يُعزِّز الأمن الدَّوائي ويقلِّل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجيَّة، وعلى صعيد الموارد البشريَّة، ارتفع إجمالي القوى العاملة إلى (44,298) موظفًا بنسبة نُمو بلغتْ (17%) منذ 2021، مع وصول نسبة التعمين إلى (71.4%)، في مؤشِّر يعكس بناء قاعدة بشريَّة قادرة على حمل المنظومة مستقبلًا، حيثُ تؤكِّد هذه المؤشِّرات أنَّ الصحَّة أضحت استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والاقتصاد، ورهانًا استراتيجيًّا على جودة الحياة وسيادة القرار الوطني.