الغيبة أصبحت للأسف حديث بعض المجالس، كلمات يتعالى بها المتحدث بأنواع مختلفة من الحديث من السخرية والاستهزاء وعيوب البشر وهو في سعادة غامرة عندما يغتاب إخوانه المسلمين، ويتحدث عن كل شاردة وواردة، وكل صغيرة وكبيرة ليسعد الحاضرين بحديثه المنمق، لا يردعه خوف من الله، ولا أدب ولا حياء ولا مروءة عن عباد الله، وكأنه كُلِّف بمهمة التجريح والقدح في أعراض إخوانه، قال الله تعالى:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق ـ 18).
إنها مرض خطير تفشى في المجتمعات يفرق الأحباب والخلان ويقطع أواصر الأرحام، فما أقبحه من مرض فتَّاك يهتك الأعراض بين البشر لما يسببه من الحقد والبغضاء والشحناء، فهو مرض حديث المجالس.. حديث الطرقات.. حديث البيوت.. وما أدراك من الغيبة، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات ـ 2).
إنَّ الغيبة خصلة من خصال السوء السوداء، فهي تبرز في مجالس الناس من خلال اجتماعاتهم، يشترك فيها الرجال والنساء الصغير والكبير، خطرها كبير وعلاجها يسير، تحلق الدين حلاقًا وتنهش في أعراض الناس نهشًا خطيرًا، إنها داء عضال يهدم المجتمعات ويشحن القلوب ويفسد عرى المحبة والمودة، خصالها شاهدة في المجالس والمنتديات واللقاءات، وفي كل مكان وزمان، كم سببت من فتك استار وتلفيق وتغيير وكذب في الأخبار، مرض غزا أفراد هذه الامة الراضية بالغيبة، والفاعل والسامع جميعهم يشتركون فيها، إنها آكلة لحوم البشر وشر من عذاب ومرعى اللئام، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(أتدرون ما الغِيبة؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهَتَّه) (رواه مسلم).
والغيبة تكون لمزًا وغمزًا وهمزًا، وتكون بالرموز والإشارات بالعين والإصبع واللسان، وتكون بالفعل والقول، وتدخل الغيبة في عرض الإنسان زوجه وأهله وأولاده وأرحامه وفي دنياه ودينه ولباسه وبدنه وتعامله مع البشر وكل حركة يخطوها، إنها بواعث النفوس المريضة في قدح البشر، وقد تعددت أساليب المغتاب فمنهم من يظهرها فيقول بلغة الشفقة والتحسر والحب عافانا الله وإياه أخونا فلان وإني مشفق عليه ومتحسر لما يفعل من المفاعيل وأحيانًا يأتي بها في نكهة الورع والعفاف والتدين والصلاح، فيقول عن أخوه غفر الله لنا ولفلان فيه كذا من العيوب وقد يأتي بها مغتابًا آخر في صيغة العجب والتعجب فيتساءل: كيف يفعل فلان هذه الفعلة؟.. كيف فعل هذا الشيء؟
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني