السبت 04 أبريل 2026 م - 16 شوال 1447 هـ

تساوق اللفظة مع الدلالة فـي السياق القرآني «دراسة فـي إطار البنية والتركيب» «3»

الأحد - 22 فبراير 2026 12:35 م


.. فعدول القرٱن عن (من) إلى (ما) قد عكس لنا ما يريده السياق من وصفه بوصفين:(الجهل بأصول الحديث، وأدبيات الكلام، وأسلوب التخاطب الكريم، وأدب الحوار، والنقاش، والثاني الكبر، والصلف، والعنجهية، ورفع الأنف عاليًا)، وهو في الوصفين مهين، ضعيف؛ لأن علو الصوت ليس دليلاً على صحة منطق صاحبه، ولا لامتلاكه حسن الحديث، الذي يتطلب منطقًا خاصًّا، هو منه براء، ولا يحسن منطقًا، ولا يملك جدالًا بالحسنى، بل يعاني ضعفا، واهتراء في الفهم، ويغالب صلفا، وكبرياء في القول.. وهكذا يتساوق اللفظ مع السياق الذي ورد فيه، والمعنى العام المسوق له الٱيات.

والمثال الثالث على ارتباط اللفظ بالسياق، ودلالاته هو قوله تعالى:(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). هنا يُخْبِرُ الله تَعَالَى بِمَا يُخَاطِبُ به أهل النّار على وجه التَّقريع، والتَّوبيخ إذا استقرُّوا في منازلهم:(أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا)، و(أن) هاهنا مُفسّرة للقول المحذوف، و(قد) للتَّحقيق، أي: قالوا لهم:(قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ)، كَمَا أَخْبَرَ سبحانه تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ عَنِ الَّذِي كَانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الْكُفَّارِ:(فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ، أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (الصافات 55 – 59) أَيْ: يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَقَالَتَهُ الَّتِي يَقُولُهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُقَرِّعُهُ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ والنَّكال، وكذلك تُقَرِّعُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، يَقُولُونَ لَهُمْ:(هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ، أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الطور14 – 16). والناظر إلى النص القرٱني بعين الروية، والهدوء، والتؤدة يرى تساوق اللفظ إيجادًا وحذفًا مع دلالة السياق القرٱني، حيث نداء أهل الجنة على أهل النار بأنهم قد وجدوا ما وعدهم به ربهم، ويسندون الوعد إلى الله، ويذكرون أنفسنا بـ(نا) التي تفيد الفخر والعظمة، وخصوصًا عندما ينسبون أنفسهم إلى ربهم معتزين به (وعدنا ربنا) كرروا (نا) عزة وزهوًا وفخرًا، وحق لهم لأنهم أطاعوه في دنياهم، وعبدوا في حياتهم، وحقق الله وعده لهم بتمكينهم من الجنة، ونعتهم بأنهم أصحابها وأهلها، ويتكئون على ضمير الفخر والفخامة (نا)، ويتشرفون، وحق لهم ذلك، بأنهم وجدوا ما وعدهم ربهم حقًّا، فذكروا كل الضمائر بكل فرحة وفخار(إنا وجدنا ما وعدنا ربنا..)، ولكن عند سؤالهم أهل النار ما ذكروا ضمير المخاطب لهم إهانة وإذلالًا وامتهانًا وسخرية وعدم التشرف بذكر ضميرهم مع ربهم في الوعد، فقالوا:(فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟).

هنا تركوا الضمير (كم) فقال:(ما وعد) دون ذكر الضمير على ما فيه من حسرة وألم، وحزن وأسى دفع به سياق المعصية، والترخص في الدنيا، وعدم الالتزام، ولم يكن في بالهم وعقلهم ربهم؛ ثم قد حرموا التشرف بإسناد ضمير المخاطب، وكأنهم لا أثر لهم، ولا منزلة، ولا اهتمام بهم، ولا وزن لهم، فقد كان الحذف مدميًّا أفئدتهم، ساكبًا كل دموعهم، مفجّرًا أحزانهم، وٱلامهم، الأمر الذي جعلهم لا يقوون على الكلام، ويلتزمون الصمت خرسًا، وكمدًا، وألمًا، كما يفعل المحزون الذي مات له عزيز من التزام الصمت طويلًا وعدم التكلم؛ لشدة ما يجد من الأحزان التي تخرس لسانه، وقلبه وجنانه. قالوا:(نعم)، فاقتصروا على ثلاثة أحرف فقط، وحذفوا كل الجملة بتمامها من أجل ما بهم من ٱلام، وطول أحزان، فحذفوا (وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا)، وهو الويل، والثبور، والهلاك، وانعدام النور، فتماشى سياق الخزي، والحزن، وترجم في الحذف مرتين، مرة في مفعول (وعد)، ومرة ثانية في جملة كاملة، اكتفي فيها بحرف الجواب، ذي الأحرف الثلاثة، وحذفت كل أركان الجملة.

د. جمال عبد العزيز أحمد 

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]