يُمكِن تعريف قضايا الرأي العام بشكلٍ مبسط بأنَّها: القضايا الَّتي يجتمع حَوْلَها العدد الأكبر، أو تتفق عليها آراء مجموعة أو طبقة أو شريحة مُجتمعيَّة معيَّنة، أو جرَّاء إجماع شَعبي أو جماهيري. ويُطلق على هذا النوع من القضايا بقضايا الرأي العام؛ لأنَّها تنطلق من وعي الجماهير وآرائهم ومعتقداتهم حَوْلَ قضيَّة ما سلبًا أو إيجابًا، اتفاقًا على صحَّتها، أو إجماعًا على رفضها وعدم قَبولها.
وتُعَدُّ قضايا الرأي العام من أخطر القضايا الَّتي يُمكِن أن تصيب عمق هياكل النظام السياسي والاستقرار والأمن الوطني؛ لأنَّ هذا النوع من القضايا يدخل في أغلب الأحيان في صلب العلاقة المُجتمعيَّة بَيْنَ المواطنين ومؤسَّسات وأجهزة الدَّولة ذات الشأن بالقضيَّة المعنيَّة، كما يكشف مدى الاستعداد والجاهزيَّة السياسيَّة والأمنيَّة وحُسن التصرف الإداري، ومرونة وحكمة النظام في مواجهة واحتواء ارتدادات وانعكاسات ردود الفعل الجماهيريَّة والشَّعبيَّة بكُلِّ حِرفيَّة ومهنيَّة على هذا النوع من القضايا.
وقد أسْهَم في تعزيز قوَّة الرأي العام في وقتنا الراهن وتوسّع دائرة المشاركة الجماهيريَّة حَوْلَ هذا النوع من القضايا كمًّا وكيفًا، وكذلك تأثير وتعميق أثر تلك القضايا على الداخل الوطني والخارج الدولي، تطوّر تكنولوجيا المعلومات والعولمة العابرة للحدود الوطنيَّة، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي كـ(أكس) (تويتر سابقًا) و(واتساب) و(يوتيوب) والصحف الإلكترونيَّة على سبيل المثال.
إذًا يَجِبُ أن يتمَّ التعامل مع قضايا الرأي العام، سواء كانت سياسيَّة أو اقتصاديَّة أو اجتماعيَّة أو غير ذلك، بنوع من الحذر والوعي الرسمي، فلا يبالغ في التعاطي مع بعضها فيعطى أكبر من حجمه، ولا تهمَّش وتُهمل حتَّى تتفاقم وتتسع مخاطرها. يضاف إلى ذلك ضرورة التعامل معها بمهنيَّة وموضوعيَّة بعيدًا عن الشخصنة والانفعال. خصوصًا أنَّ بعض الجهات الرسميَّة تَعدُّ تفاعل الرأي العام حَوْلَ بعض القضايا المتعلقة بخدماتها ومسؤوليها بصفتهم الوظيفيَّة محاولة للإساءة إليها أو إلى خدماتها.
لذا يُمكِن الإشارة إلى بعض الملاحظات والتوجيهات الَّتي يُمكِن الاستفادة منها كحلول وقائيَّة وعلاجيَّة للتعامل مع هذا النوع من القضايا وتداعياتها على البيئة الوطنيَّة، وهي بكُلِّ تأكيد ـ على سبيل المثال وليس الحصر، ومن أبرزها:
أولًا: المتابعة السياسيَّة والأمنيَّة المباشرة والمستمرة لتطوُّر بعض القضايا الوطنيَّة الَّتي تحدُث بشكلٍ يومي في البيئة الوطنيَّة، مع التأكيد على عدم تهميش أي قضيَّة مهما بلغ صغر حجمها، أو الفئة الَّتي تفاعلت معها.
ثانيًا: ضرورة العمل المهني السريع من قِبل الجهة أو المؤسَّسة المعنيَّة بالقضيَّة بشكلٍ مباشر، فلا تترك تحت شعارات (قضايا عاديَّة، قضايا لا خوف منها) لِتتدحرجَ وتكبر ككرة الثلج لِتتحولَ إلى قضيَّة رأي عام.
ثالثًا: أهميَّة التنسيق الأمني والسياسي مع الجهة أو الجهات ذات العلاقة المباشرة بالقضيَّة المطروحة قَبل إصدار القرار المعني باحتواء أو حل القضيَّة، والحذر من إحداث شق في العلاقة بَيْنَ المؤسَّسة المعنيَّة بالقضيَّة من خلال إصدار قرارات من جهات أخرى؛ لأنَّ ذلك سيؤثر في ثقة المواطنين بالمؤسَّسة الَّتي تتعلق القضيَّة بها، وسيقلِّل أو يضعف من دَوْرها وشخصيَّتها القانونيَّة.
رابعًا: البُعد عن الحلول الَّتي تسعى إلى الاحتواء المؤقت لبعض المواقف والقضايا المتعلقة بالرأي العام. وبمعنى آخر، تلك الحلول الَّتي ترتكز على مجرَّد إرضاء الرأي العام.
خامسًا: الحذر من التعامل الأمني المباشر مع هذا النوع من القضايا وتحويلها إلى قضايا جنائيَّة.
سادسًا: أهميَّة التصدي السريع منذ البداية وبكُلِّ مهنيَّة وحِرفيَّة ومؤسَّساتيَّة لكُلِّ ما يُمكِن أن تحمله قضايا الرأي العام من انحرافات أو انجراف أو شكوك أو ريبة في الوعي أو بسبب انتشار المعلومات المغلوطة حَوْلَها، والَّذي قد يكُونُ في كثير من الأوقات نتاجًا طبيعيًّا لانتشار الإشاعات حَوْلَ القضيَّة، أو بسبب إهمال أو تأخير معالجة المؤسَّسة المعنيَّة لها.
سابعَا: أهميَّة رفع مستوى الوعي الوطني بطُرق التعامل مع قضايا الرأي العام وتداعياتها، سواء من خلال التوعية الشَّعبيَّة أو المؤسَّسيَّة. فالوقاية خير من العلاج، والتوعية بمخاطر هذا النوع من القضايا على الأمن والاستقرار والوحدة الوطنيَّة مهمٌّ للغاية للتقليل من آثارها على البيئة الوطنيَّة، والتأكيد على ضرورة بقاء تلك القضايا في إطار الوطن، وعدم الدفع بها إلى الخارج. ومن جهة أخرى يَجِبُ الحرص على رفع مستوى الوعي الرسمي للمسؤول بمخاطر هذا النوع من القضايا الَّتي تتعلق بالرأي العام وطُرق احتوائها والتعامل السريع والمهني معها.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @