الاثنين 23 فبراير 2026 م - 5 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رحلة العقل فـي رحاب رمضان

رحلة العقل فـي رحاب رمضان
الأحد - 22 فبراير 2026 07:08 ص

المنتصر بن زهران الرقيشي

30

ميَّز الله الإنسان بقدرة فريدة على التفكُّر والتساؤل، وجعل العقل مناط التكليف وأداة الاستخلاف في الأرض. والسؤال في بنيته العميقة هو إعلان حضور ووعي، ودلالة على أنَّ الكائن البشري كائن باحث بطبيعته. لذلك جاء الخِطاب القرآني موجَّهًا إلى العقل، ومُحفِّزًا على النظر في الأنفس والآفاق، ومكررًا نداءاته: أفلا يتفكرون، أفلا يعقلون، أفلا ينظرون. تلك النداءات تُبرهن على أنَّ الإسلام جاء لِيكُونَ تأسيسًا لمنهج حضاري يَقُوم على وعي السؤال والتفكُّر والتدبُّر.

والمُجتمعات الحيَّة بطبيعتها لا تخلو من طرح الأسئلة، لكنَّ هناك فرقًا جوهريًّا بَيْنَ سؤالٍ يَقُود إلى بناء المعرفة، وسؤالٍ يتحول إلى أداة قلق دائم. ولنبسطها في التالي: السؤال المنضبط يفتح أفقًا، ويُعِيدُ ترتيب الأولويَّات، ويكشف زوايا لم تَكُنْ مرئيَّة. أمَّا السؤال المنفلت من أيِّ منهج، فيستنزف الطاقة النفسيَّة ويترك صاحبه في دوامة لا قرار لها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لمنهجيَّة التفكير، والانتقال من عقلٍ يتلقَّى بلا تمحيص إلى عقلٍ يقرأ ويوازن ويستدل.

ولذلك شهر رمضان يُمثِّل مساحة لإعادة ضبط البوصلة الذهنيَّة، بل يُبرهن أنَّه مساحة زمنيَّة فريدة لإعادة ضبط الإيقاع الداخلي، فالامتناع عن الطعام والشراب يتجاوز اعتبار وجوده كتدريب جسدي، إنَّما يُفترض أن يُنظر إليه من زاوية إعادة ترتيب العلاقة بَيْنَ الإنسان ومصادر انشغاله اليوميَّة، فهو يُهدينا مساحة للتأمل والاستماع لأصواتنا الداخليَّة بعُمق وبوضوح أكبر.

هذا التباطؤ المقصود يمنح العقل فرصة للمراجعة. كم من قناعات ورثناها دُونَ مساءلة؟ وكم من أفكار تبنَّيناها لأنَّها سائدة؟ في رمضان يُمكِن أن نُعِيدَ اختبار أفكارنا بهدوء، بعيدًا عن ترهات الجدالات ومنصَّات الاستعراض. فالتساؤل في قضايا الإيمان ليس نقيضًا للتصديق، بل طريق إلى طمأنينة أعمق. وقد جسَّد النَّبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ هذا المعنى حين طلب أن يرى كيف يحيي الله الموتى، طلبًا لزيادة الاطمئنان. ذلك المشهد القرآني يرسِّخ مبدأً تربويًّا بالغ الأهميَّة: اليقين يتدرج، ويقوى بالتأمل والتجربة المعنويَّة.

الفلسفة الإسلاميَّة قدَّمت نماذج لرحلة السؤال المنضبط، من تجربة «حي بن يقظان» الَّتي ترسم مسارًا تصاعديًّا للمعرفة، إلى مباحث «واجب الوجود». تلك المسارات جاءت كمحاولات لبناء تصوُّر متماسك عن الكون والخالق والإنسان. غير أنَّ التاريخ نفسه يحذِّر من الإفراط؛ فالغلوُّ في تتبع دقائق الأمور ثمرة أوقع بعض المدارس في جدل عقيم، وأبعدها عن مقاصد الإيمان العمليَّة.

رمضان يهيئ بيئة مناسبة لهذا التحوُّل؛ إذ إنَّه يعلِّم الانضباط، والقيام يدرِّبنا على الخلوة، وتلاوة القرآن تفتح مسارات للتأمل في السّنن الكونيَّة والاجتماعيَّة. في هذه المنظومة المتكاملة، يتعلم الإنسان أن يسأل بوعي، وأن يتوقف حين يلزم التوقف، وأن يمضي حين تتضح الطريق.

المنتصر بن زهران الرقيشي

كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية

مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)

@mumtaserzr