الاثنين 23 فبراير 2026 م - 5 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : مؤشرات صلابة واختبار تسارع التنويع

الأحد - 22 فبراير 2026 02:51 م

رأي الوطن

20


يُشكِّل الميزان التجاري لأيِّ دولة مرآةً صريحة لهيكل اقتصادها؛ فهو يعكس حجم التبادل، ويكشف درجة تعرُّضه للصَّدمات، وعُمق قاعدته الإنتاجيَّة، وقدرته على امتصاص تقلُّبات الأسواق العالميَّة. وعلى الصَّعيد الوطني ظلَّ هذا الميزان لعقودٍ مرتبطًا بإيقاع النفط، صعودًا مع ارتفاع أسعاره، وهبوطًا مع تراجعه، ما جعل القراءة السنويَّة للتجارة الخارجيَّة أشْبَه بمتابعة شاشة أسعار الطاقة. غير أنَّ أرقام العام الماضي تقدِّم صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري نَحْوَ (40.4) مليار ريال عُماني مقابل (41.7) مليار في العام السابق، فيما سجَّلت الصَّادرات السلعيَّة (23.2) مليار ريال متأثرة بتراجع متوسط سعر نفط عُمان إلى (71) دولارًا للبرميل مقارنةً بـ(80.8) دولار في 2024، غير أنَّ المشهد لا يقف عند هذا الحدِّ، فبَيْنَما انخفضت قِيمة الصادرات النفطيَّة إلى (14.5) مليار ريال، ارتفعت الصَّادرات غير النفطيَّة إلى (6.7) مليار ريال بنمو (7.5) بالمئة، وقفزتْ أنشطة إعادة التصدير بنسبة (20.3) بالمئة لِتتجاوزَ مليارَي ريال.. هذه المفارقة الرقميَّة تكشف أنَّ الاقتصاد يتحرك في مسارَيْنِ متوازيَيْنِ، مسار تقليدي يتأثر بالسُّوق العالميَّة للطَّاقة، ومسار إنتاجي وتجاري يتقدم تدريجيًّا لِيُعِيدَ تشكيل بنية التجارة الخارجيَّة. ومن هنا تُصبح قراءة الحدث أعمق من رقم تراجع أو نسبة نُمو، إنَّها قراءة في اتِّجاه الحركة ذاته، وهل يمضي بثبات نَحْوَ توازن أكثر استدامة في ظلِّ تقلُّبات لا يملك أحد التحكم فيها.

إذا كان المسار التقليدي لا يزال يتأثر بحركة أسعار الطَّاقة، فإنَّ المسار الآخر يكشف تحوُّلًا أعمق في بنية الإنتاج والتصدير، حيثُ أصبح غير النفطي مُكوِّنًا متناميًا يُعِيدُ رسم خريطة الشركاء والأسواق، فوصول الصَّادرات غير النفطيَّة إلى (6.7) مليار ريال عُماني يعكس توسعًا في قاعدة صناعيَّة تَقُودها المنتجات الكيماويَّة والمعادن ومصنوعاتها والبلاستيك والآلات والمعدَّات الكهربائيَّة، وهي قِطاعات ترتبط بسلاسل قِيمة ممتدَّة وتفتح أبوابًا لأسواق ذات طلب مستقر نسبيًّا، كما أنَّ نُمو الصَّادرات إلى دَولة الإمارات العربيَّة المُتَّحدة لِتتجاوزَ (1.3) مليار ريال، وارتفاعها إلى المملكة العربيَّة السعوديَّة إلى أكثر من مليار ريال، يعكس تعمُّق الاندماج الخليجي واتِّساع الحضور في أسواق الجوار، في حين يحافظ السُّوق الهندي على موقعه كأحد أهم المنافذ الآسيويَّة بنَحْوِ (700) مليون ريال عُماني، فهذه المؤشِّرات تُشير إلى قدرة المنتج العُماني على المنافسة خارج الإطار النفطي، وهو تحوُّل يحمل في طيَّاته رسالة استراتيجيَّة مفادها أنَّ التنويع بدأ ينتقل من خانة التخطيط إلى خانة الأداء الفعلي في حركة التجارة الخارجيَّة.

إنَّ القفزة المسجَّلة في أنشطة إعادة التصدير خلال العام الماضي تعكس بوضوح تحسُّن الموقع اللوجستي لعُمان داخل حركة التجارة الإقليميَّة، حيثُ ارتفعت قِيمتها بنسبة (20.3) بالمئة لِتتجاوزَ مليارَي ريال عُماني، وهو نُمو يتجاوز المعدَّلات التقليديَّة ويُشير إلى ديناميكيَّة جديدة في استخدام الموانئ والمناطق الحُرَّة كمراكز عبور وإعادة توزيع، كما أنَّ استحواذ دولة الإمارات العربيَّة المُتَّحدة على نَحْوِ (35.2) بالمئة من إجمالي إعادة التصدير، بقِيمة بلغتْ (724) مليون ريال عُماني، يعكس عُمق التكامل التجاري بَيْنَ البلدَيْنِ، فيما تؤكِّد الأرقام الخاصَّة بإيران والمملكة المُتَّحدة والمملكة العربيَّة السعوديَّة تنوُّع وجهات العبور واتِّساع نطاقها الجغرافي؛ فهذا النشاط لا يرتبط فقط بعمليَّات نقلِ السِّلع، وإنَّما يعكس تطورًا في كفاءة الخدمات اللوجستيَّة وسرعة الإجراءات وتكامل سلاسل الإمداد، وهي عناصر باتتْ معيارًا حاسمًا في جذب الحركة التجاريَّة العالميَّة. وعندما تتسارع إعادة التصدير بهذا الإيقاع، فإنَّ ذلك يعني أنَّ السَّلطنة تتحرك بخطوات أكثر ثباتًا نَحْوَ ترسيخ دَوْرها كمحور توزيع إقليمي، مستفيدةً من موقعها الجغرافي واستقرارها المؤسَّسي وقدرتها على الربط بَيْنَ الأسواق الخليجيَّة والآسيويَّة والأوروبيَّة ضِمن شبكة تجاريَّة تتسع عامًا بعد آخر.

تكشف هذه المؤشِّرات مُجتمعةً أنَّ التجارة الخارجيَّة العُمانيَّة تقف عند نقطة تحوُّل حقيقيَّة، حيثُ أصبحت قراءة الأرقام مرتبطةً بمدى قدرة القِطاعات غير النفطيَّة والأنشطة اللوجستيَّة على توسيع حضورها عامًا بعد آخر. صحيح أنَّ تراجع متوسط سعر النفط انعكس مباشرةً على إجمالي الصَّادرات، إلَّا أنَّ ارتفاع الإنتاج اليومي وتماسُك الكميَّات المصدرة يؤكِّدان أنَّ التحدِّي لم يَعُدْ في حجم الإنتاج، وإنَّما في تنويع مصادر القِيمة داخل الاقتصاد. ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بتسريع نُمو الصَّادرات الصناعيَّة ذات المحتوى المعرفي الأعلى، وتعميق التكامل بَيْنَ الموانئ والمناطق الصناعيَّة، وفتح أسواق جديدة تُعزِّز انتشار المنتج العُماني خارج نطاقه التقليدي، فإنَّ الحفاظ على توازن مستدام في الميزان التجاري يتطلب استمرار الإصلاحات الهيكليَّة، وتحفيز الاستثمار في الصِّناعات القابلة للتصدير، وتطوير منظومة الخدمات اللوجستيَّة بما يرسِّخ موقع سلطنة عُمان كمحور تجاري إقليمي. وبهذا المعنى، فإنَّ الأرقام المسجَّلة ليست محطَّةً ختاميَّة، وإنَّما خطوة ضِمن مسار أطول يسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وصلابة في مواجهة تقلُّبات الأسواق العالميَّة.