السبت 04 أبريل 2026 م - 16 شوال 1447 هـ

تساوق اللفظة مع الدلالة فـي السياق القرآني «دراسة فـي إطار البنية والتركيب» «2»

السبت - 21 فبراير 2026 12:46 م

.. وفي بعض القراءات، والآثار، ورد أن هذا الملك كان يأخذ (كل سفينة صالحة)، أو (صالحة) فقط، مما يؤكد أن العيب في السفينة كان هو السبب في نجاتها من الغصب، وأخذها من أصحابها ظلمًا.

قالوا: إن اسم الملك:(هُدَد بنُ بُدد)، لكن ما أود هنا ربط لفظه بسياقه هو قوله:(غصبًا) في (يأخذ كل سفينة غصبًا)، لو سألنا كتب النحو عن إعراب (غصبًا) لوجدنا أن لها إعرابين، هما: الأول: أنه يمكن إعراب كلمة (غصبًا) حالًا منصوبة، وعلامة نصبها الفتحة، والتقدير (غاصبًا إياها)، والثاني: أنه يمكن إعرابها مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف، تقديره (يغصبها)، والسؤال هنا: كيف تعرب حالًا، وهي مصدر والمصدر جامد، والحال مشتقة؟!، من الممكن أن تكون مفعولًا مطلقًا؛ لأنه لا يشترط كونه مشتّقًا، ولكن كيف تكون حالًا، وهي جامدة؟، هذا هو ما نود قوله، فإن المعنى أن الحال الأصل فيها الاشتقاق، ولكنها وردت هنا جامدة؛ لتتماشى مع المعنى المسوق من ظلم الملك، فكأنها أكرهت على ذلك، وظلمت بأن سلب منها حقها، وهو الاشتقاق، واستعملت جامدة، مظلومة، كما هو السياق القر?ني، وأن الملك شخص ظالم، يأخذ كل سفينة (صالحة)، وهنا كذلك ظلم الموصوف، وحرم من جوار صفته هو ال?خر، تساوقًا مع السياق العام وهو الظلم، فقد وردت الحال جامدة ظلمًا وعدوانًا، والأصل فيها الاشتقاق، كما حرم الموصوف من صفته، ومنع منها، والأصل أن الموصوف يكون مع صفته كالشيء الواحد، فوضح ربط الصيغة، وتساوقها مع السياق القر?ني، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة.

والمثال الثاني لعلم النحو: وهو قوله تعالى:(قال فرعون وما رب العالمين) (الشعراء ـ 23)، أولًا هذا السؤال:(وما رب العالمين) سؤال من فرعون، يدل على إنكاره لربوبية الله، وطلبه الدليل على وجوده، وصفاته، وهو سؤال استنكاري يسأل عن جنس الشيء، أو ماهيته، فأجاب موسى - عليه السلام - بذكر الأفعال التي لا يستطيع فرعون الإتيان بمثلها، مبينا له أن الله هو خالق السماوات، والأرض وما بينهما، ولكن ما دلالة (ما) في هذا السياق؟، إن (ما) أداة استفهام للسؤال عن (جنس الشيء)، أو (ماهيته)، وليس عن اسمه، أو هويته فقط، وكأن فرعون يقول:(أي شيء هو الرب الذي تزعم أنك رسوله؟)، فماذا تعني الإجابة؟، أجاب موسى بما يدل على أن رب العالمين هو الخالق، المدبر الذي لا يستطيع فرعون الإتيان بمثل أفعاله، حيث قال الله له في موضع آخر:(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، فرد فعل فرعون ردًّا غريبًا، حيث كان استنكاره دليلًا على عناده؛ ولذلك لم يكتفِ بالإجابة النظرية، بل تحدى موسى بأن يأتي بآية تثبت صدقه، كما في قصة إبراهيم - عليه السلام - مع النمرود الذي طلب منه أن يأتي بالشمس من المغرب، ومغزى الآية أنها تبيّن أن رب العالمين هو خالق كل شيء، ومدبر له، وأنه لا يُعرف بالإدراك الحسي، أو العقل فقط، بل يُعرف بآياته، وأفعاله في خلقه.

وهنا يريد القر?ن أن يبين لنا أن المتكبرين جهلاء، وأن المتغطرسين لا يقوون على الصمود في الجدال، فسرعان ما يظهر ضعفهم، واهتراء عقلهم، ويخرسهم الجدال بالحق، فبين بكلمة (ما رب العالمين) غباء فرعون، وعدم إلمامه باللغة؛ حيث وضع (ما) التي هي لغير العاقل موضع (من) التي هي للعاقل، فهو لا يملك أصول الحديث، ولا يتقن أساسيات اللغة في خطاب من يعقل، وما لا يعقل، ويهذي بكلام غير مستقيم؛ لأن عقله وفكره ليس بمستقيم، فجاء بـ(ما) مكان (من)، ونحن إزاء ذلك نقول: (إما أنه جاهل بأساليب الخطاب، ولا يحسن الحديث، فكيف يكون ربًّا، وإلهًا؟!، وإما أنه مستكبر، يجعل من غيره في حكم الجمادات المخاطبة بـ(ما) التي لغير العاقل، ويجعل غيره كأنه لا يعقل، وتلك طبيعة المتكبرين، يقول:(ما علمت لكم من إله غيري)، ويقول:(أنا ربكم الأعلى)، ويقول:(يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين).

د. جمال عبد العزيز أحمد 

جامعة القاهرة - كلية دار العلوم

بجمهورية مصر العربية

[email protected]