السبت 04 أبريل 2026 م - 16 شوال 1447 هـ

في الحدث : عودة نازحي الخرطوم .. رأس مال بشري لإعادة البناء

في الحدث : عودة نازحي الخرطوم .. رأس مال بشري لإعادة البناء
السبت - 21 فبراير 2026 06:18 ص

طارق أشقر

50


تُشير تقديرات الأُمم المُتَّحدة إلى أنَّ أكثر من مليون وثلاثمئة ألف شخص عادوا إلى الخرطوم، ضِمن ما يزيد على مليونَي نازح سوداني عادوا إلى مناطقهم الأصليَّة بالولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش السوداني، وذلك من إجمالي نَحْوِ (8.6) مليون نازح ولاجئ داخل السودان وخارجه، وفْقَ بيانات المنظَّمة الدوليَّة للهجرة.

وجاءت هذه العودة بعد نَحْوِ ثلاث سنوات من التشرد الَّذي أعقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، والَّتي لا تزال معاركها مستمرة في إقليمَي دارفور وكردفان، إضافة إلى جنوب ولاية النيل الأزرق.

يُمثِّل هذا التطور مؤشِّرًا مهمًّا على تحوُّل ميداني تدريجي، لكنَّه لا يعني انتهاء الحرب أو كامل الاستقرار في بلد يتعرض لتخريب ممنهج استهدف حياة إنسانها وبنيتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة وحضارتها، غير أنَّ عزيمة شَعبه وتمسُّكهم به وبمستقبله يظل هو الأمل في إعادة بنائه مهما تعاظمت عليه الدسائس والفِتن.

وبقراءة منهجيَّة لمعنى هذه العودة كبيرة العدد على ضوء عدد من النظريَّات الاقتصاديَّة الراسخة الَّتي تؤكد أنَّ القوى البشريَّة وتوزيعها الجغرافي هو العامل الأساسي في بناء الاقتصادات الحضريَّة، مثل نظريَّة «اقتصاديَّات التكتل» للفريد مارشال مؤسَّس عِلم الاقتصاد الحديث حيثُ ترى النظريَّة أنَّ تجمع القوى البشريَّة بالمُدن والأرياف يزيد الإنتاجيَّة والكفاءة، ويسهل تبادل المعرفة والمهارات، يتبَيَّن بأنَّ عودة النازحين إلى ديارهم هي قطرات أولى لإعادة بناء السودان عَبْرَ المشاركة الشَّعبيَّة الفعليَّة في البناء من خلال ممارسة الأنشطة الاقتصاديَّة اليوميَّة حتَّى لو كانت بسيطة بما يسهم في استفادة الاقتصاد من آليَّة حاجة القِطاعات لبعضها لتبدأ بشكلٍ تدريجي في عمليَّة تكامليَّة تدفع بعجلة الإنتاج إلى الأمام.

ووفْقَ نظريَّة «رأس المال البشري» للاقتصادي جاري بيكر فإنَّ الإنسان ليس فقط عاملًا في الاقتصاد، بل هو أصل اقتصادي بحدِّ ذاته؛ إذ إنَّ النطاقات الجغرافيَّة الَّتي تضم قوى بشريَّة مؤهلة تُحقق نموًّا أسرع من غيرها، وهنا تتضح الحاجة لإعادة الروح إلى الاستثمار في الإنسان بما يؤدي مباشرة إلى نُمو حضري واقتصادي، وذلك من خلال السعي الجادِّ لإعادة الاستقرار إلى المُدن والقُرى عَبْرَ بسط السلام وإعادة بناء المدارس والجامعات وتأمينها، وتأكيد الرغبة الجادَّة في تناسي مرارات الحرب والعمل من خلال الأسرة والشارع والمدرسة على غرس الوطنيَّة، والإيمان بأنَّ السودان وطن يسع الجميع دُونَ إقصاء أو جهويَّة. أمَّا نظريَّة «الاقتصاد الحضري الحديث» للأميركيَّة جين جاكوبس فهي تؤكد أنَّ المُدن تنمو بفضل كثافة السكان وتفاعلهم اليومي، وأنَّ الابتكار يظهر حيثُ يوجد الناس وليس فقط، حيثُ يوجد رأس المال، وأنَّ التنوع البشري داخل المُدن هو محرِّك قوي للنُّمو الاقتصادي، وهذا يعني بأنَّ المُدن تنمو لأنَّ الناس موجودون فيها، وليس العكس. ولكن رغم علميَّة هذه النظريَّة إلَّا أنَّ التجربة الحضريَّة السابقة للحرب في السودان كشفت عن اختلالات ديمجرافيَّة كان لها تأثيرها الاقتصادي السالب على اقتصاديَّات الريف السوداني الَّذي هجره سكَّانه نزوحًا إلى العاصمة والمُدن الكبرى بسبب أخطاء إداريَّة في تخطيط التنمية بالبلاد أدَّى إلى ترك قِطاعات كبيرة من القوى المنتجة لأنشطتها في بلد زراعي بالدرجة الأولى متأثرين أيضًا بسياسات خاطئة تجاه عدد من المشاريع الزراعيَّة المنتِجة تدمَّرت بالنتيجة وهجرها المزارعون متَّجهين إلى العاصمة بحثًا عن الخدمات الأساسيَّة. وعليه، واستنادًا إلى ما سبق من نظريَّات اقتصاديَّة والَّتي تصبُّ جميعها في مفهوم دَوْر تزاحم الأقدام في الدَّفع بنُمو الاقتصادات وحركة السوق، تتسع دائرة الأمل في أن تؤدي موجة العودة الطوعيَّة إلى الخرطوم والولايات الأخرى للمزيد من تضافر الجهود لبسط الأمن وصولًا إلى الاستقرار وإعادة بناء البلاد... والله المستعان.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»