الخميس 19 فبراير 2026 م - 1 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

القيادة الذاتية للموظف .. نحو قوة داخلية تؤسس للتميز المؤسسي

القيادة الذاتية للموظف .. نحو قوة داخلية تؤسس للتميز المؤسسي
الأربعاء - 18 فبراير 2026 07:00 ص

د. عبدالله بن خلفان العزري

10

«الحيُّ يحييكَ، والميّتُ يزيدُكَ غُبنًا» هو من الأمثال العربيَّة الشهيرة والمحفزة للتعاون، والروح المعنويَّة الَّتي يبثها الوالد في أبنائه، والمجتمع في شبابه؛ ليبتعدوا عن الكسل والاتكاليَّة، ويشجعهم على التفاؤل، وأن يكونوا قوَّة وعونًا لا عبئًا وحسرة. فقد شبَّه الناس من يتصف بالحيويَّة والنشاط والفطنة بـ«الحي» الَّذي يعكس الإيجابيَّة والمبادرة والعزيمة بين أقرانه وفي أوساط محيطه، وأما الضعيف، المتخاذل البطيء في حركته، وغير المبادر فهو كـ«الميت» عاجزٌ عن مساعدة غيره، ومواجهة الصعاب والتحدِّيات الَّتي تقف أمامه، فهو بذلك يؤثر سلبًا في أوساط محيطه ويكون عبئًا وهَمًّا عليهم ويزيدهم حسرة وانكسارًا.

فعندما نتحدث عن القيادة، غالبًا ما نتحدث عن تأثير القادة في تحقيق رسالة ورؤية المؤسسات الَّتي يعملون لديها. وفي عصر يتسم بالتغيير السريع والتعقيد المتزايد، تبرز أهميَّة القيادة الَّتي لم تعد مقتصرة على مناصب عليا فقط؛ بل أصبحت فنًّا ومهارة أساسيَّة ومهمة يجب أن يمتلكها كل موظف؛ لتحقيق التميز الذاتي والمؤسَّسي. فالقيادة الذاتيَّة هي قدرة الموظف على توجيه سلوكه، وتحفيز ذاته بصورة واعية لتحقيق أهداف شخصيَّة ومهنيَّة، دون الاعتماد التام على توجيهات خارجيَّة. فعند إتقان الموظف قيادة ذاته، يصير عنصرًا فاعلًا يرفع من إنتاجيَّة الفريق وجودة العمل، ويسهم في بناء ثقافة مؤسسيَّة مرنة ومبتكرة.

كما أنَّ القيادة الذاتيَّة هي عبارة عن مجموعة من الممارسات والسلوكيات العقليَّة والعمليَّة الَّتي تساعد الموظف على تنظيم عمله وأهدافه، وإدارة عواطفه، وتحمل نتائج أعماله وقراراته الصغيرة والكبيرة بمسؤوليَّة. ومن الممارسات والسلوكيَّات الَّتي تساعد الموظف لقيادة ذاته بكفاءة وفاعليَّة وتحقيق التميز لمؤسَّسته: إدراكه لقيمته الذاتيَّة وفكره الناقد، ووعيه بأهدافه الشخصيَّة والمهنيَّة، ومكامن قوَّته وضعفه، ومعرفة احتياجاته للتطوير، وقدرته على ضبط ذاته، وإدارته لمشاعره، والالتزام والانضباط بخطَّته اليوميَّة ووقته بفاعليَّة، وإنجاز مهامه دون تشتت، وتحفيز نفسه بتحقيق الإنجازات اليوميَّة، وإضافة قيمة لغيره من خلال بناء علاقات داعمة، وإتقانه في عمله، والأثر الإيجابي لذاته ومؤسسته، وتحمله لنتائج قراراته، ساعيًا لاكتساب مهارات جديدة، ومقترحًا للتحسينات، ومجربًا لحلول مبتكرة.

وتكمن أهميَّة قيادة الموظف لذاته في بيئة العمل في تحقيق التميز لمؤسساتهم. فالموظفون القادرون على إدارة أنفسهم والمتحلون بالمسؤوليَّة والالتزام والانضباط الذاتي، ينظمون أوقاتهم، ويزيدون من فعاليَّة إنجاز مهامهم، ويوفرون الجهد والوقت لقادتهم للتركيز على مهامهم الاستراتيجيَّة؛ لأنهم لا يحتاجون توجيهًا تفصيليًّا وإشرافًا مستمرًا. كما أنهم من فئة الموظفين المرنين المبدعين والمبتكرين للأفكار والمبادرات في مؤسساتهم، ويتعلمون من التجارب دون الخوف من الخطأ والفشل، وهم من تعتمد عليهم مؤسساتهم في أوقات الأزمات والمخاطر؛ وذلك لأنَّهم يتصرفون بمسؤوليَّة تامَّة، ومتحكمون بشعورهم وإنجازاتهم والتزامهم بمؤسساتهم، وهذا كله يساعد مؤسساتهم في تحسين رضاهم وارتباطهم الوظيفي.

وختامًا، رسالتنا للموظف، أيًّا كان موقعه الوظيفي، لتنمية قيادتك الذاتيَّة عليك تحديد أهدافك اليوميَّة، فمعرفتها ستكون خريطة عملك اليوميَّة والَّتي ستقلل من تشتتك، وتزيد من شعورك بالإنجاز. كما أن مراجعة مشاعرك الذاتيَّة يوميًّا، واستخدام التقنيَّات التنفسيَّة القصيرة، والتطبيقات الذكيَّة للتذكير بالمهام اليوميَّة، وتقنيَّة «قوائم المهام المحددة بالوقت» هي من العادات اليوميَّة الصغيرة ذات الأثر الإيجابي الكبير في التقليل من التوتر والضغوطات، وتحسن من اتخاذ القرارات المناسبة، وتنظيم وقتك وجهدك، ومراجعة مهامك الصباحيَّة، وتحديد أولويات العمل بفاعليَّة، وتزيد من تركيزك وتحقيق أهدافك الشخصيَّة والمهنيَّة، وتلخيص إنجازاتك اليوميَّة. اطلب وراجع أداءك يوميًّا وحسِّن منه، فالمحاسبة الذاتيَّة والتغذية الراجعة البناءة تسهم في توجيه الوقت والجهد باستمرار. طوِّر من مهاراتك وقدراتك، وتعلَّم طرح الأسئلة، وفاوض نفسك على أولويَّاتك من خلال الاستثمار في ذاتك، فالتعلم المستمر يبقيك معياريًّا وقادرًا على الإبداع والابتكار في مؤسستك. ولقادة المؤسسات، دوركم كبير في دعم القيادة الذاتيَّة للموظفين، فالموظف ليس المسؤول الوحيد في تنمية قيادته الذاتيَّة، وأن لبيئة العمل المؤسسيَّة ـ كبيئة داعمة ـ الأثر الأكبر في تحقيق ذلك، والَّذي بدوره سيحقق التميز لمؤسساتكم. فالاستثمار في المورد البشري هو العنصر الرئيس في تحقيق التميز من خلال دعم القادة في التوجيه والتحفيز، والأهداف والمسؤوليات الواضحة، والصلاحيات في اتخاذ القرارات، وتوفير البرامج التدريبيَّة المنظمة في القيادة الذاتيَّة، وتشجيع ثقافة المبادرة والابتكار والإبداع ومكافأة الأفكار ذات الأثر الكبير للمؤسسة. القيادة الذاتيَّة مهارة محوريَّة لبناء مؤسَّسات قادرة على الابتكار والتكيُّف. فمن خلال تطوير وضوح الهدف، انضباط الأداء، والتحفيز الداخلي، يصبح كل موظف قوَّة دافعة نحو التميز. وإن عمليَّة البناء تتطلب تضافر جهود الموظف والمؤسسة معًا: الموظف يبني أدواته وسلوكيَّاته، والمؤسسة تهيئ الظروف والدعم. عندما يتقن الموظفون القيادة الذاتيَّة، تتحول المؤسَّسات إلى حاضنات للابتكار والأداء المستدام، وهذا هو الهدف المنشود الَّذي يجب أن نسعى لتحقيقه جميعًا.

د.عبدالله بن خلفان العزري

أكاديمي عماني