مع حلول شهر رمضان المبارك، يأخذ أغلبنا من الصوم حكمة أن يشعر الغني بجوع الفقير. ويرى بعض المحدِّثين أنَّ ذلك شهر تطهر الجسم بممارسة صحيَّة تغني عن «الحمية» وتمارين الوقاية من الأمراض. بل إنَّ البعض يَعدُّ شهر الصوم الجليل تدريبًا على لجْمِ النفْس على اعتبار أنَّ «جهاد النفْس» لا يقلُّ عن جهاد الحرب ذودًا عن وطن أو شرف. ولستُ فقيهًا في الدِّين لأعدِّدَ فضائل الصوم ومزايا الشهر العظيم. لكنِّي فقط أردتُ الإشارة إلى أنَّ شهر رمضان إلى جانب كونه فريضة من أركان دِين الإسلام الخمسة، فهو فترة للنقاء والصفاء الإنساني. ومن اللافت أنَّ صيام رمضان هذا العام يتزامن مع الصيام الكبير للمسيحيين في الشرق الَّذي ينتهي بعيد القيامة المجيد. فهذه الأيَّام إذًا هي فرصة سنويَّة لنا جميعًا للاستفادة، ليس فقط بالصيام عن الأكل والشرب، ولكن لممارسة فضيلة صوم من نوع آخر.
حين ابتليت السَّيدة مريم عليها السَّلام، بفرية أهلها عليها أمرَها ربُّها بأن تقولَ لقومها «إنِّي نذرتُ للرحمن صومًا فلن أكلِّمَ اليوم إنسيًّا» (الآية 26 من سورة مريم في القرآن الكريم). وبما أنَّ في منطقتنا الآن من البلايا والافتراءات ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى فلا بأس من الصوم، الجزئي طبعًا، عن الكلام إلَّا عِندَ الضرورة. لا يعني ذلك صمتًا، وإنَّما الابتعاد عن الكلام الَّذي لا يفيد، بل وكثيرًا ما يضر. إنَّ كثرة الكلام فيما لا يعنينا، وإن كان مسلِّيًا أحيانًا، رُبَّما يجلب لنا مزيدًا من البلايا والمشاكل. لعلَّ من آفات عصرنا الانتشار الهائل لمواقع التواصل وتطبيقات الدردشة عَبْرَ الإنترنت، والَّتي أتصور أنَّ بعض متابعتها تقع ضِمن «فرط الكلام» بغير التحدث باللسان والصوت. فقتل الوقت بالتصفح وتلقِّي الكذب والتزوير والتضليل ونظريَّات المؤامرة يتعارض مع الصوم عن الكلام الَّذي نقصده. وهذا ما نحتاج للصوم عنه في هذا الشهر الفضيل، وإن كان لا يعني «مقاطعة» تلك المواقع والتطبيقات فهي أيضًا وسيلة إخبار ومعرفة عن أُمور تهمُّنا، من الحرب على الفلسطينيين في الضفَّة وغزَّة إلى غيرها من قضايانا الإقليميَّة والمحليَّة الَّتي يتعين علينا متابعتها.
إنَّما القصد بصوم الكلام هو أن نتوقفَ عن، أو على الأقل نقلِّل من، أحاديث النميمة والافتراء والتضليل والدَّس. فذلك أمْر محمود باعتباره بُعدًا عن الذنوب من ناحية، وأيضًا فرصة لتصفية الذِّهن لِيعملَ بشكلٍ سليم. وهو صوم لا يقتصر على نهار أيَّام رمضان، بل رُبَّما الأفضل أن يكُونَ طوال الشهر نهارًا وليلًا. ولِمَن يريد التسلِّي وقتل الوقت فلدَيْه غير الكلام غير المفيد والضَّار سبلًا كثيرة لذلك، سواء بالقراءة أو بالاستماع إلى ما يسري عن النفْس ويسمو بالروح ويرفِّه عن المرء من أشكال الفنون الإبداعيَّة المختلفة. تظلُّ هناك مسألة أنَّ وقت الفراغ الَّذي يرى البعض أنَّه يتزامن مع صوم رمضان، ويدفع نَحْوَ الكلام الضَّار وغير المفيد، ناجم عن صوم البعض عن العمل المعتاد بمبرِّر أنَّه «صائم». وللأسف يفهم البعض قرار الحكومات بتعديل مواعيد العمل في نهار شهر رمضان على أنَّه يعني صومًا جزئيًّا للعاملين عن العمل، وهو ليس كذلك على ما أظن.
لا شك أنَّ الصوم عن الأكل والشرب يقلِّل من طاقة الجسم البشري وقدرته على العمل المعتاد في نهار رمضان، لكن تعديل مواعيد الدوام الوظيفي إنَّما تأخذ في الاعتبار تغيُّر عادات الناس والأُسر بمواقيت طعام السحور ليلًا والإفطار بوقت محدَّد مع غروب الشمس. بل إنَّ هناك مصالح تعوض ذلك بالعمل ليلًا بعد الإفطار، ليس لأنَّ الموظفين يصبحون أكثر قدرة على العمل بعدما يأكلون، ولكن مرَّة أخرى بسبب تغيُّر مواعيد الصحو والنوم، سواء للموظفين أو للناس المتعاملين مع تلك المصالح. أتصور أنَّ الفائدة الأكبر من الصوم هي أن تستمرَّ في العمل المعتاد، أيًّا كان مكتبيًّا أو يتطلب جهدًا عضليًّا أو غيره، في نهار رمضان. فالصوم عن العمل بحجة عدم الأكل والشرب رُبَّما ينتقص من حكمة الشهر الفضيل. ليس فقط بالشعور بمعاناة الفقراء الَّذين يعملون وهم لا يتحصلون على ما يكفيهم من طعام، ولكن لأنَّ جهد البَدن أثناء وقت الصوم يساعد أيضًا جسديًّا وذهنيًّا وروحيًّا على الاستفادة القصوى من شعيرة العبادة هذه.
وهكذا، فصوم الكلام لا يعني الصَّمت والتخاطب بالإشارة كما حدَث مع السَّيدة مريم عليها السَّلام، وإنَّما البُعد عن ما هو غير مفيد وضار من حديث قد يُثير الفِتن ويزيد من الغيام على العقل، ورُبَّما يصل إلى حدِّ التضليل بالزيف. أمَّا صوم العمل فهو ينتقص من فوائد العبادة من ناحية، ويجعل المرء لا يستفيد من ميزات الشهر المبارك. لا يعني ذلك طبعًا أن يشقَّ المرء على نفْسه بالكدِّ في العمل وهو صائم بأكثر ممَّا يفعل في بقيَّة أيَّام العام. فتلك مشقة ليست مفيدة أيضًا، وإلَّا ما كان الله سبحانه وتعالى شرع رخصًا لعباده وأمرهم باستخدامها كما جاء في الحديث النبوي الشريف «إنَّ الله يحبُّ أن تُؤتى رخصه كما تُؤتى عزائمه». رغم أنَّ هذا شهر الصوم، إلَّا أنَّه ليس بقصد المشقة، وإنَّما الاعتدال في كُلِّ الأمور. وما أجدى لنَا نفعًا أكثر من صوم الكلام لا العمل.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري