•حين تضع مؤسَّسات أكاديميَّة ضِمن أولويَّاتها متابعة شؤون خريجيها بعد أن يكُونُوا قد غادروها إلى مواقع أخرى تقتضيها حياتهم، فإنَّ لهذا التفقد منزلة الرعاية والمواكبة البنيويَّة المتبادلة، بل والحرص الَّذي يُراد له أن يظلَّ همزة وصل مع درجة عالية من المشاعر العائليَّة، واستدامة تنمويَّة منتجة لمفهوم المرافقة.
•لقد استوقفني باهتمام بالغ إن لم أقلْ باندهاش الملتقى السنوي الَّذي تنظِّمه جامعة التقنيَّة والعلوم التطبيقيَّة في ولاية إبراء قَبل عدَّة أيَّام.
•لم يكُنِ الملتقى سابقة للجامعة دُونَ غيرها من الجامعات، بل لِما تضمَّن برنامجه من فقرات تستحق التوقف عِندَها.
•لقد لمستُ حرصًا واضحًا على تنوعه وارتباطه الوثيق بتطلُّعاتها لأن تكُونَ لها مساهمتها الجادَّة في التنمية المُجتمعيَّة وفْقَ رعاية لوجستيَّة متواصلة من أجلِ أن لا يغيبوا عن ذاكرتها.
•تُمثِّل ولاية إبراء إحدى ولايات محافظة شمال الشرقية، ومركزها الإداري، وحين تشهد ملتقى من هذا النوع يتبَيَّن كم هو ضرورة لتعزيز العلاقات بَيْنَ هذه الجامعة ذات المنهج الميداني التطبيقي والوسط الاجتماعي العُماني، وكم هي مجموعة المسؤوليَّات الَّتي تواظب على تنفيذها مهما باعد الزمن بَيْنَ الطرفين.
•لقد تضمَّن برنامج الملتقى فقرات تغطِّي شؤونًا علميَّة ومقترحات لتوظيفات دراسيَّة نوعيَّة، واستعراض ذكريات جميلة، وتجديد زمالات، ومواقف طريفة والاستفسار عن البعض الَّذين لم تتوفر لهم فرص الحضور، وكيف استفاد الخريجون ممَّا درسوه واستثمروه في حياتهم العمليَّة، وتبادل معلومات من أجلِ توطيد معارف علميَّة أحدث، وتعزيز آراء أسهمت في تصحيح عمل، وتحقيق فائض قِيمة لموقعها الاجتماعي العام.
•إنَّ توصيف (جسور) عنوانًا لهذا الملتقى ينسجم تمام الانسجام مع الدَّوْر الطليعي للمؤسَّسات الأكاديميَّة بوصفها المجال الأرحب لقيادة التنسيق المعرفي، وتكوين المزيد من المضافات له.
•يشار إلى أنَّ تصنيف شنغهاي للجامعات قد نوَّه بهذا النوع من المواصلة ضِمن متطلبات القياس في التقييمات الَّتي يعتمدها، أعني التواصل مع إنجازات خريجيها، والافتخار بهم، خصوصًا الخريجين الَّذين استطاعوا لاحقًا أن تكُونَ لهم أدوار متميزة ضِمن وظائف سياسيَّة وعلميَّة وخدميَّة واقتصاديَّة.
•لقد دأب خريجو الجامعات على إدراج محصِّلات دراساتهم الأكاديميَّة للتعريف بأرصدتهم العلميَّة التاريخيَّة كعناوين رمزيَّة للمنزلة العلميَّة الَّتي حصلوا عليها وكجزءٍ أساسٍ من مقاماتهم الحياتيَّة.
•الحال، وفي ضوء الَّذي يؤديه العِلم الآن في التأسيس التقني المتسارع لم تَعُد الجامعات محطَّات وقتيَّة مقطوعة عن الحياة اللاحقة لخريجيها، وإنَّما مؤسَّسات رعاية متواصلة، وهذا يُمثِّل جوهريًّا أهم موجبات الرَّبط الميداني الجدلي بَيْنَ المؤسَّسة العلميَّة ورعاياها.
إنَّ للمِّ الشمل الدَّوْري من هذا النوع أهميَّة لا غنى عنه في تمكين المؤسَّسة العلميَّة على معرفة ما يحيط بها، الأمر الَّذي يتيح لها تكييف مناهجها في ضوء الحاجات المعرفيَّة الَّتي يتطلبها الواقع السكَّاني العام.
•لقد صار هذا المعيار واحدًا من المعايير الَّتي تحرص الجامعات على الأخذ به لاستبانة طُرق مساهمتها التنمويَّة، وأي المجالات الَّتي تصلح للتطبيق؟ ولا شك، أنَّ خريجي الجامعات مراتها لمعرفة أين هي من البنية التنمويَّة المستدامة؟ ماذا حققت؟ ماذا يترتب عليها للمستقبل؟ ما هي مستلزمات التكيُّف الَّتي عليها أن تتبناه في ضوء المستجدات الَّتي تحصل؟ وأي مهمَّات مترتبة عليها إزاءها؟
•إجمالًا، كُلَّما تنوعت برامج ملتقيات من هذه الأنواع أسْهَم ذلك في توطين الذاكرة العلميَّة المُجتمعيَّة.
عادل سعد
كاتب عراقي