الأربعاء 18 فبراير 2026 م - 30 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : رمضان.. نفحات الإيمان ومسؤولية الموقف

الأربعاء - 18 فبراير 2026 04:04 م

رأي الوطن

10

يأتي رمضان كُلَّ عامٍ كمساحة زمنيَّة مختلفة عن سائر الشهور، مساحة يُعاد فيها ترتيب الدَّاخل قَبل الخارج والباطن قَبل الظاهر، وتراجع فيها الحسابات الصغيرة أمام المعاني الكبرى. فالصيام في جوهره ـ كما شرعه المولى عزَّ وجلَّ ـ ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، وإنَّما تمرين يومي على ضبط الإرادة، والسُّمو بالأخلاق وتحرير النفْس من هيمنة المادَّة وعاداتنا، لِيكُونَ فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بَيْنَ الإنسان وخالقه على أساس القرب والمراقبة والصِّدق. فحين يجوع الجسد قليلًا تستيقظ الروح أكثر، وحين يهدأ صخب الاستهلاك يتَّسع مجال التأمل، فيكتشف المرء أنَّ القوَّة الحقيقيَّة تنبع من قدرته على السيطرة على رغباته، لا من قدرته على إشباعها. وفي هذا الشهر الفضيل تتبدل الأولويَّات، فيتقدم الدعاء والرجاء على اللَّعب وراء مغريات الحياة، ويتقدم الصفاء النفْسي على الصراع الَّذي نعيش فيه طوال أيَّام العام.. إنَّه فرصة لمراجعة الذَّات والبحث عن أيِّ إنسان أُريدُ أنْ أكُونَ بعد انقضاء هذه الأيَّام المباركة؟ ومن هذا التساؤل تتحول العبادة والفرض الَّذي شرعه الله سبحانه وتعالى إلى مشروع إصلاح ذاتي عميق، ينعكس أثَره على السلوك اليومي، وعلى طريقة النظر إلى الآخرين، وعلى الإحساس بالمسؤوليَّة تجاه آلامهم.. رمضان فرصة سنويَّة عظيمة لإعادة توجيه البوصلة الأخلاقيَّة، وبناء إنسان أكثر وعيًا، وأكثر رحمة، وأكثر استعدادًا لتحمُّل أمانة الاستخلاف في الأرض، والتقرب بالطاعات والبُعد عن الآثام. وفي قلبِ هذا الصَّفاء الرُّوحي، يفرض الواقع الفلسطيني نفْسه بوصفه الامتحان الأشدَّ قسوةً لمعنى الصيام ومغزاه، فحين نتأمل حال أبناء فلسطين عمومًا، وغزَّة على وجْهِ التَّحديد، ندرك أنَّ الجوع هناك ليس خيار عبادة مؤقتة ينتهي مع أذان المغرب، وإنَّما واقع يومي يفرضه حصار ممتدٌّ وعدوان لا يهدأ، ومع ذلك يصوم أهل غزَّة، ويقيمون الصلاة، ويتشبثون بالأمل كما يتشبث الغريق بخشبة النجاة، فيتحول الصوم من عبادة فرديَّة إلى رسالة صمود جماعيَّة، حيثُ تختلط دموع الدعاء بأصوات القصف، ويصبح الإفطار لحظة امتنان على ما توافر، لا على ما تنوَّع، في مشهد يُعِيدُ تعريف القوَّة والإيمان معًا.. فبَيْنَ ركام البيوت المهدَّمة، وتحت سماء مثقلة بالدخان، يرفع الصائم يدَيْه إلى السَّماء بثقة لا تهتز، كأنَّما يقول إنَّ العلاقة بالله أعمق من كُلِّ حصار، وأبقى من كُلِّ قوَّة غاشمة.. وهنا يكتسب رمضان بُعدًا مختلفًا، إذ يتحول من موسم روحاني هادئ إلى مساحة اختبار حقيقي لضمير الأُمَّة، وسؤال مفتوح حَوْلَ معنى التضامن، وحَوْلَ مسؤوليَّتنا الأخلاقيَّة والإنسانيَّة تجاه مَن يصومون على الألم، ويؤمنون بأنَّ مع العُسر يُسرًا، وأنَّ فجر الحُريَّة مهما طال الليل آتٍ لا محالة. وإذا كانت غزَّة نموذجًا صارخًا لمعاناة مكشوفة على شاشات العالم، فإنَّ خريطة الفقر تمتدُّ أبعد من حدود الجغرافيا والسياسة، لِتشملَ أكثر من رُبع سكَّان المعمورة الَّذين يعيشون تحت وطأة الفقر المضطجع، حيثُ تتحول لقمة العيش إلى معركة يوميَّة صامتة، ويصبح البحث عن وجبة واحدة هاجسًا يتقدم على كُلِّ الطموحات الأخرى.. هناك مئات الملايين يستقبلون رمضان وهم لا يملكون رفاهيَّة التنوع في الطعام، ولا ترف الموائد الممتدَّة، بَيْنَما تتكدس في أماكن أخرى أصناف لا تُحصى، ويتحول الشهر الَّذي شُرع لتهذيب الشهوة إلى موسم استهلاك مضاعف يخالف حكمة العبادة وجوهرها! هنا يطرح الصيام سؤالًا حادًّا حَوْلَ معنى الشعور بالجوع إن لم يتحول إلى تضامن، وحَوْلَ قِيمة الإمساك إن لم يثمرْ عطاءً؛ فالفجوة بَيْنَ الوفرة والحرمان لم تَعُدْ أرقامًا في تقارير دوليَّة، وإنَّما واقع أخلاقيٌّ يختبر صِدق التديُّن وعُمق الوعي. رمضان يضعنا أمام مرآة عالم منقسم بَيْنَ مَن يكدِّس الطعام خشية نفاده، ومَن يخشى أنْ ينتهيَ اليوم دُونَ أنْ يجدَ ما يفطر عليه، وبَيْنَ المشهديْنِ تتحدد حقيقة الرسالة الَّتي يحملها هذا الشهر الفضيل، لِيؤكِّدَ أنَّ العدالة ليست شعارًا، وأنَّ الرحمة ليست عاطفة، لكنَّها التزام عملي يردم الفجوة، ويُعِيد للإنسان إنسانيَّته قَبل أنْ ينقضيَ هلاله.

وفي مساعي هذه الرحلة الإيمانيَّة بَيْنَ صفاء الروح وألَم الواقع، يتجلى المعنى الأعمق لشهر رمضان الَّذي فضَّله ـ عزَّ وجلَّ ـ عن باقي شهور العام، واختصَّه بنزول القرآن ونفحات وعطايا إلهيَّة لا تنقطع؛ بوصفه موسم مراجعة شاملة لعلاقة الإنسان بربِّه وبالنَّاس وبالعالم من حَوْله، فليس المطلوب أنْ نخرجَ من الشهر بزيادة في عدد الموائد ولا في ساعات السهر، وإنَّما بزيادة في الوعي والمسؤوليَّة، وأنْ يتحولَ الدعاء إلى فعل، والصَّدقة إلى منهج، والرحمة إلى سُلوك يومي مستدام. إنَّ ما نشهده في غزَّة، وما يُعانيه فقراء العالم يُشكِّل اختبارًا ممتدًّا لضمير الإنسانيَّة، ورمضان يمنحنا فرصة نادرة لِنقرِّرَ أيَّ موقع نختار؟ هل نظلُّ في موقع المتفرج المشفق؟ أم موقع الشريك في تخفيف الألم؟ يَجِبُ أن نعلمَ أنَّ التقربَ إلى الله لا يكتمل في محراب الصلاة والصيام وحده، وإنَّما يمتدُّ أثَره إلى كُلِّ مساحة يُمكِن أنْ نصنعَ فيها فرقًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، فرديًّا أو مؤسَّسيًّا، محليًّا أو عالميًّا. هكذا يصبح الشهر المبارك نقطة انطلاق جديدة، نُعِيد فيها تعريف النجاح بمعيار العطاء، ونقيس فيها صِدق إيماننا بمدى اقترابه من قضايا الإنسان، حتَّى يخرج رمضان وقد ترك فينا أثرًا باقيًا، لا ينقضي بانقضاء أيَّامه، وإنَّما يمتدُّ سلوكًا وموقفًا ومسؤوليَّة طوال العام.