إن المتأمل الواعي، القارئ للكتاب العزيز، العاشق لتلاوته يجد تماشيا، وتساوقا، وتداخلا بين اللفظة الواردة مع المعنى، والدلالة التي اجتلبها السياق، وألح عليها المعنى، وتحار أيما حيرة بتلبس تلك البنية، أو التركيب للمعنى المسوق، والغاية التي يرمي إليها المقصد القرٱني، وجدت هذا على مستوى علوم كثيرة، منها النحو، ومنها الصرف، ومنها الرسم المصحفي، ومنها التجويد، ومنها البلاغة، وكنت ألاحظ ارتباط اللفظ، وتغييراته مع المعنى، وتبدلاته، حتى فيما يتعلق بعلم التجويد، فإن رأيت تواريا، واختفاء ممن يتحدث السياق عنه وجدت الإخفاء التجويدي باد في معظم الكلمات، فإن رأيت الحق واضحا يرشح من جنبات التركيب، وجدت الإخفاء تحول إلى الإظهار، وإن كان الحديث عن الجدال واللجاجة الفارغة التي لا تحسن قيمة الوقت، وتمعن في إضاعته، وقتل الزمن في غير ما فائدة رأيت المدود بأنواعها المد الكلمي المثقل، والكلمي المخفف، والمد المتصل، ونحوه مما يطول معه الكلام، ويأخذ الوقت والزمن الكبير، وإن كان الحديث عن عظيم ممجد، وأمر كبير معظم وجدت أحرف التفخيم بكل درجاته تتحرك بين شفتيك، وتزدهي بين فكيك، فإن كان الكلام عن أمر هين، غير ذي أثر رأيت أحرف الترقيق تسابق في الطريق تحكي هوان المعنى، وضعف عقل المتحدث عنهم فيه، وهكذا في السكت، ونحوه من دروس التجويد الأمر الذي يجعلني دائما أنبه على معلمي التجويد ألا يقفوا عن حدود الدرس المعين، وإنما عليهم الربط بينه وبين معناه في السياق، ودلالته في محله من الٱيات، ويجتهد في ربط الدرس بالمعنى، واستنباط تضاهيه مع السياق.
ونبدأ بضرب الأمثلة على ذلك من العلوم التي سبق أن أشرت إليها، وذكرتها أعلاه.
أمثلة من علم النحو: المثال الأول: يقول الله- تعالى- في سورة الكهف عن الملك الظالم الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا:»وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا» إن «الملك» المقصود في تلك الآية هو ملك ظالم كان يأخذ كل سفينة صالحة من أصحابها غصبا، فقام الخضر بخرق السفينة؛ ليكون بها عيب، فلا يلتفت إليها هذا الملك الظالم، ويأخذها منهم، فيحفظهم بذلك من الفقر الشديد، وكان الخضر يفعل ذلك بأمر الله، وهو جزء من قصة موسى- عليه السلام- مع الخضر- عليه السلام-.
فالملك الظالم يغتصب السفن الصالحة، لذا أعاب الخضر السفينة التي كانت مملوكة لهؤلاء المساكين الذين يعملون في البحر،(أي هن بخارة يغتاشون على صيد الأسماك والاكل منها وبيعها لتحصيل المال الذي به ينتفعون هم وأولادهم، فقام الخضر بإعطابها بشكل لا يسمح لها بالإبحار، ولا وقت عند هذا الملك الظالم لإصلاحها، وصرف المال عليها؛ ومن ثم أعطلها الخضر ؛ كي لا يأخذها الملك، ويخسر المساكين سفينتهم كاملة، وهي مصدر، رزقهم وكسب قوتهم. والفائدة هنا أن خرق السفينة أدى إلى حفظها من الظلم، والغصب، وفي ذلك حكمة إلهية عظيمة، فكانت السفينة معيبة بالخرق؛ مما جنب أصحابها الاستيلاء عليها من قبل هذا الملك الظالم.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم
بجمهورية مصر العربية