أقبل شهر الصيام والقرآن.. شهر الرحمة والمغفرة.. ذلك الضيف الَّذي تتزين له القلوب قَبل البيوت وتتهيَّأ لاستقباله الأرواح قَبل الموائد.. فما أن يتمَّ الإعلان عن قدومه حتَّى تتبدل ملامح الحياة ويغدو الزمن أكثر صفاء وروحانيَّة، والوجوه أكثر بشاشة وراحة، وتغدو العادات والتقاليد كأنَّها خيوط نور تنسج لوحة الشهر الفضيل بألوان من الإيمان والأصالة.
إنَّ شهر رمضان المبارك يُعَدُّ مناسبة دِينيَّة عظيمة تتجاوز في معانيها حدود الصيام والعبادة لِتتحولَ إلى منظومة متكاملة من القِيَم والعادات الَّتي تعكس هُوِيَّة المُجتمع وروحه.. وفي سلطنة عُمان تتجلى مظاهر هذا الشهر الفضيل في صورة خاصَّة تمتزج فيها التعاليم الإسلاميَّة بالعادات والتقاليد المتوارثة فتشكّل لوحة اجتماعيَّة وثقافيَّة مميزة تعكس أصالة المُجتمع العُماني وعُمق انتمائه لتراثه. ومن أبرز مظاهر تأثير العادات والتقاليد في رمضان حرص العائلات العُمانيَّة على التجمع اليومي حَوْلَ مائدة الإفطار.. فالإفطار ليس مجرَّد وجبة تكسر بها ساعات الصيام، بل هو طقس اجتماعي يُعزِّز الروابط الأُسريَّة ويُعِيد الدفء إلى العلاقات بَيْنَ أفراد الأُسرة.. فحين يقترب موعد الإفطار تتعالى في البيوت روائح الهريس والعرسيَّة والثريد وتختلط بذكريات الطفولة وأحاديث الجدَّات وكأنَّ المائدة ليست موضع طعام فحسب، بل موضع حنين ودفء عائلي.. وحين تجتمع الأُسرة يبرز المشهد الَّذي يفيض ألفة فيجلس الصغير إلى جوار الكبير ويتبادل الجميع الدعاء والابتسام.. وما أن يُرفعَ الأذان حتَّى تمتدَّ الأيدي لا إلى الطعام وحده، بل إلى معاني الرضا والشكر لله تعالى.
ومن العادات الَّتي تزيد هذا المشهد إشراقًا ودفئًا عادةً تبادل الأطباق بَيْنَ الجيران.. فكم من طبقٍ يطرق بابًا حاملًا معه رسالة صامتة تقول: «نحن معًا».. ففي رمضان العُماني لا يبقى الطعام حبيس جدران بيت واحد، بل يسافر بَيْنَ البيوت ناشرًا عبَق المَحبَّة ومؤكدًا أنَّ المُجتمع جسد واحد إذا جاع فيه بيت شعر به الجميع.. وهكذا تتحول العادة إلى جسر من التراحم يربط القلوب قَبل الأيدي. أمَّا في المساجد فيتجلَّى وجْه آخر من تأثير التقاليد، حيثُ تمتلئ الصفوف بالمصلِّين وتتعانق الأصوات في تلاوة القرآن فيسري في المكان خشوع عذب.. ويحرص الآباء على اصطحاب أبنائهم إلى صلاة التراويح فيتعلم الصغار معنى السكينة والوقوف بَيْنَ يدي الله في صفٍّ واحد.. إنَّها تربية تتسلل بلُطف لتغرسَ في النفوس حُب العبادة دون وعظٍ مباشر؛ لأنَّ القدوة في المُجتمع العُماني أبلغ من الخطب الطويلة. ثم يأتي دَوْر المجالس العُمانيَّة الَّتي تغدو بعد صلاة التراويح منارات حوار وودٍّ.. فيجتمع فيها الرجال يتبادلون أطراف الحديث، ويتذاكرون شؤون الحياة، وتصنع العلاقات، وترمّم الصلات، ويعاد وصل ما انقطع.. بَيْنَما تنشغل النساء في إعداد القهوة والحلوى التقليديَّة في مشهد تتداخل فيه الأدوار بانسجام يعكس روح التعاون.
كما أنَّ للأطفال في رمضان نصيبًا من البهجة لا يخفى.. يرتدون ملابسهم التقليديَّة في بعض المناطق ويرددون الأهازيج الشَّعبيَّة الَّتي توارثوها.. فتعلو ضحكاتهم في الأزقة وكأنَّهم يعلنون أنَّ الفرح جزء من العبادة.. فحضورهم في المشهد الرمضاني ليس تفصيلًا عابرًا، بل علامة على استمراريَّة التراث.. فَهُم الجيل الَّذي سيتسلم شعلة العادات ويحملها إلى المستقبل. ولا يُمكِن إغفال ما يتجلى في هذا الشهر من أعمال البِر والإحسان.. فتتضاعف الصدقات وتُقام موائد الإفطار في الأحياء.. فيجلس الغني إلى جوار المحتاج بلا تمييز، وهنا تذوب الفوارق ويصبح الإنسان أخًا للإنسان.. والعادة في هذا السياق ليست فعلًا اجتماعيًّا فحسب، بل تجسيد حي لقِيَم الرحمة الَّتي دعا إليها الدِّين لِتمتزجَ التعاليم السماويَّة بالموروث الأرضي في صورة بديعة. كذلك أنَّ ما يميِّز رمضان في السَّلطنة تلك السكينة الَّتي تغلف مظاهره.. فلا صخب مفتعل، ولا مظاهر مبالغًا فيها، بل بساطة تنبع من عُمق القِيَم.. كأنَّ المُجتمع يهمس لنفْسه بأنَّ روح الشهر تكمن في صفاء النيَّة لا في بهرجة المظاهر.. لتبقَى العادات إطارًا يحفظ الجوهر لا غطاء يخفيه. إنَّ تأثير العادات والتقاليد في مظاهر رمضان في سلطنة عُمان يتجاوز حدود الطقوس اليوميَّة لِيصلَ إلى تشكيل وجدان المُجتمع بأسْره.. فالعادات ليست مجرَّد ممارسات شكليَّة، بل هي حاملة لقِيَم أخلاقيَّة واجتماعيَّة تُسهم في بناء مُجتمع متماسك..
فهي الَّتي تحفظ للذَّاكرة وهجها وللعلاقات متانتها وللشهر قداسته الخاصَّة.. ومن خلال استمرار هذه التقاليد يحافظ العُمانيون على هُوِيَّتهم الثقافيَّة ويضمنون انتقالها إلى الأجيال القادمة.. لِيبقَى رمضان في عُمان شهرًا للعبادة والتراحم والتجدُّد الروحي والاجتماعي في آنٍ واحد.. وفي كُلِّ عام حين يَعُود الهلال تَعُود معه تلك الطقوس الدافئة لتؤكدَ أنَّ رمضان ليس زمنًا يقاس بالأيَّام، بل حالة تعاش في القلوب حيثُ يلتقي الإيمان بالتراث وتتصافح السماء مع الأرض في مشهد من نور.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني