مع التوقُّعات باتِّساع عقدة الازدحام والاختناق المروري في شهر رمضان المبارك، وبشكلٍ خاص في فترة العودة، ورغم المرونة في تعزيز الحركة المروريَّة وتحديد ساعات الدوام الرسمي للموظفين بوحدات الجهاز الإداري للدَّولة وغيرها من الأشخاص الاعتباريَّة الأخرى، تُشير التوقُّعات إلى ازدحام مروري كثيف في الشوارع الرئيسة والفرعيَّة بمحافظة مسقط، يزيد بمعدَّلات أكبر عن الحالة اليوميَّة المعتادة في فترتَي الذّروة الصباحيَّة والمسائيَّة، ويُعزى ذلك إلى بعض العادات المرتبطة بسلوكيَّات بعض أفراد المُجتمع، وبخاصَّة فئة الشَّباب منهم، في شهر رمضان، وانعكاساتها على استخدام الطريق وقيادة المركبة.
وبالتَّالي التأكيد على متابعة الالتزام بتطبيق العمل عن بُعد والدوام المَرِن، في ظلِّ ما طرحته وزارة العمل، إذ أصدرت القرار الوزاري رقم (523/2025) بشأن تنظيم العمل عن بُعد، فإنَّ طرح هذا المسار التنظيمي في شهر رمضان كخيار استراتيجي للحدِّ من الاختناقات المروريَّة يُعَدُّ أمرًا مهمًّا، ويستدعي متابعات أكثر وشراكة أعمق وقناعة مؤسَّسيَّة متفاعلة مع الفرص المتحققة من القرار. وعليه، فهو محطَّة للتفكير الجمعي خارج الصندوق للحدِّ من الازدحام المروري، مع قناعتنا بأنَّه لا يغني، بلا شك، عن إعادة تأهيل شبكات الطُّرق والنقل العام وتحسينها وتطويرها، وتنفيذ خيارات وبدائل نقل جديدة لها دَوْرها وحضورها في المشهد العالمي. وهو ما يعني أنَّه لا يَجِبُ أن تقف جهود قِطاعات الدَّولة ومؤسَّساتها عِندَ حدٍّ معيَّن أو جهة واحدة أو مسار واحد، كما أنَّه لا يوجد خيار سحري يَجِبُ الاعتماد عليه كلِّيًّا، بل هناك تعدديَّة في الخيارات وتنوع في البدائل، الأمر الَّذي يعطي مساحة تطبيق أوسع، وجديَّة أكبر في الإسراع بتبنِّي معالجات مقنعة لهذه المُشْكلة، ويُقلِّل من هاجس التحجج بالأعذار والتبريرات المتعلقة بالموازنة أو تدنِّي مستويات التنسيق والتكامل بَيْنَها في تأطير مسار محدَّد لمعالجة الازدحام المروري.
ومع ذلك، تظلُّ مسؤوليَّة مستخدم الطريق حاضرة في كُلِّ محطَّات البناء وأبجديَّات العمل، انطلاقًا من أنَّ وعي مستخدم الطريق وثقافته المروريَّة وإدراكه للمخاطر والفرص والواجبات والمسؤوليَّات والضوابط والالتزامات، سوف يَضْمن تحقيق التزام فعلي على أرض الواقع. ولمَّا كان شهر رمضان بما يحمله من مبادئ وقِيَم وأخلاقيَّات يعظِّم من قِيَم المسؤوليَّة واحترام الطريق وتقدير الوقت، فإنَّ إعادة توجيه السلوك الشخصي في شهر رمضان لِيصبحَ أكثر استجابة للمعطيات، والتزامًا وتوازنًا في صناعة الفرص، تصبح أولويَّة مُجتمعيَّة وهاجسًا جمعيًّا يَجِبُ أن يستشعر فيه الجميع حدود مسؤوليَّاته.
وتبقى بعض العادات غير المنضبطة في رمضان مثل: حالات السهر اليومي لوقت متأخر من الليل، أو حتَّى الفجر في أيَّام الدوام الرسمي، وما يتبعها من تأخير وقت الخروج الصباحي إلى العمل لِمَا بعد السابعة والنصف أو الثامنة، أحد هذه التحدِّيات الَّتي باتتْ تُسهم في عرقلة حركة السَّير وإحداث الارتباك في الطريق، أو عدم القدرة على استخدام مقود المَركبة، بما يرافق ذلك من حالة عدم الارتياح وكثرة الارتباك وفقدان التوازن أو السيطرة على حركة المركبة أثناء القيادة، وغلبة النعاس على الكثير من مستخدمي الطريق نظرًا لعدم حصولهم على وقت كافٍ من النوم، أو حالة التخيلات والهواجس والأفكار السلبيَّة الَّتي تنتابهم لمجرَّد مشاهدة الكثافة المروريَّة، وحالة القلق أو ضعف القدرة على ضبط الانفعالات والتحكم في التصرفات، فيسيء السائق لنفْسه ويُسهم بفعله في عرقلة حركة السَّير، الأمر الَّذي قد يؤدي إلى اتِّساع مساحة التجاوزات المتعمدة من كتفي الشارع، والضغط على الفرامل في محاولة لسباق الزمن وسرعة الوصول إلى مقر العمل، على حساب انسيابيَّة حركة السَّير.
وعليه، يطرح الواقع المروري في شهر رمضان، في ظلِّ هذه المعطيات، الحاجة إلى مزيدٍ من الضبط الذَّاتي والاتزان الانفعالي، وترقية السلوك الشخصي، وتمكين العادات المروريَّة الناضجة وتوجيهها لإنتاج الفرص وخلق روح التغيير في الممارسة المروريَّة للسائق ومستخدم الطريق، ويؤصِّل لذائقة مروريَّة راقية وثقافة منتجة في السلامة على الطريق، ترافق السائق في جميع الأوقات والأحوال والظروف، من أجلِ انسياب مروري مَرِن وآمِن في الطُّرق الرئيسة والفرعيَّة وطُرق الخدمات بمحافظة مسقط.
إنَّ تأصيل فِقه الشعور الإيجابي نَحْوَ واقع الطريق وما فيه من كثافة مروريَّة، يستدعي اليوم استنهاض العزيمة نَحْوَ تغيير العادات المروريَّة وترقيتها وهندسة الذَّات، كما يستدعي استنطاق القِيَم والأخلاقيَّات المرتبطة بالطريق وحق الآخرين فيه واحترام الأدوار وتجسيدها في طريقة القيادة واستخدام المركبة، وتمكين الموجّهات الإيجابيَّة الفكريَّة والنفسيَّة من أداء دَوْر التأثير في شخصيَّة السائق وسلوكه أثناء القيادة، وعَبْرَ إدراكه للمخاطر الناتجة عن هذه التصرفات غير المسؤولة والممارسات المزاجيَّة في عرقلة السَّير والتسبب في الازدحام.
من هنا فإنَّ تحقيق التزام في بناء الوعي المروري وترسيخ أبجديَّاته مرهونًا بجملة الممكنات الآتيَّة:
1. استشعار عظمة صوم شهر رمضان، وما يؤكد عليه من قِيَم التواصي بالحق والتواصي بالصبر وأخلاقيَّات التعامل وفلسفة التواصل، وتحقيق أعظم درجات الالتزام، وهو ما يجسِّد في قائد المركبة مساحة واسعة من الهدوء والانضباط والتحمل والإيجابيَّة والنظرة التفاؤليَّة، والبُعد عن الأثرة والأنانيَّة في استخدام الطريق والَّتي ستكُونُ عونًا له في تجاوز الحالة المروريَّة.
2. حضور البُعد الإنساني في استخدام الطريق والتعامل مع المركبة تعبير أصيل عن مرحلة متقدمة من الذائقة المروريَّة الراقية، وتجسيد الحسِّ المروري المنسجم مع الواقع، وطبيعة الحالة المروريَّة في رمضان وتجاوز الأخطاء الحاصلة فيه، والاستفادة منها في تغيير العادات المروريَّة وتصحيح الممارسة غير المنضبطة.
3. استشعار حجم المسؤوليَّة في تحقيق انسيابيَّة الطريق والحدِّ من الازدحام، بما يعنيه ذلك من إدارة الحالة المروريَّة وضبط انفعالاته والتحكم في ممارساته والتوازن في التعامل مع الموقف المروري وما فيه من فجوات بما سينعكس إيجابًا على انسيابيَّة الطريق والتقليل من الازدحام.
4. القيادة الآمنة والمَرِنة الَّتي تراعي طبيعة الحالة وخصوصيَّة الموقف، وتستحضر الموجّهات الإيمانيَّة لشهر رمضان، مع قدرة السائق على التخلص من الأفكار السلبيَّة والمنغصات النفسيَّة، وتصفية الذَّهن، واسترخاء الجسد، تؤدي إلى تحقيق انسيابيَّة مروريَّة مع الحفاظ على أعلى درجات الأمان والسلامة.
5. يُمثِّل سائق المركبة الحلقة الأقوى في معادلة السلامة على الطريق، وهو مَن يتسبب في الازدحام ومَن يحقق الانسيابيَّة في الطريق، وكُلَّما استطاع ضبط ممارساته وتوجيه بوصلة مساره كُلَّما أكسبه ذلك مزيدًا من الثقة بالنفْس والشعور بأريحيَّة تامَّة في الطريق وتسهلت أمامه كُلُّ الصعوبات الناتجة عن التراكمات والأفكار السلبيَّة المسيطرة عليه.
6. بناء التزام ذاتي نابع من اختيار وقناعة وصدق في التعامل مع الحالة المروريَّة في شهر رمضان، بحيثُ تظهر في أثناء قيادة السائق لمركبته، والحكمة في إدارة المواقف المفاجئة الَّتي يتسبب فيها مستخدمين آخرين، الأمر الَّذي سيقلل من الضغط النفْسي والتشتُّت الفكري الناتج عن ثوران النفْس في مواجهة السلوك بالسلوك ذاته.
7. العناية بالمركبة واحترام أدواتها من مرتكزات الالتزام بالأمان، ويشمل ذلك الصيانة الدَّوْريَّة، والنظافة، ومتابعة كفاءة الإطارات، حتَّى لا يؤدي الإهمال إلى أعطال مفاجئة والتوقف على جانبي الطريق، وما يسبِّبه ذلك من إرباك لمستخدمي الطريق الآخرين.
8. قيادة المركبة فنٌّ وذوق وتمهين وإدارة، ومنحها الوقت والجهد وتجنب الانشغال عنها (استخدام الهاتف النقال مثلًا)، تعبير عن مدى الشعور بعظم المسؤوليَّة وبقِيمة الالتزام بما يقرُّه القانون ويُعزِّزه الذَّوق العام، إنَّ نُمو هذا الشعور بالمسؤوليَّة سوف يجنب ما ينتج عن حوادث الطريق من مآسٍ وأحداث.
9. إذا كان رمضان مساحة إيمانيَّة لتغيير العادات والممارسات، فإنَّ التغيير الذَّاتي للعادات المروريَّة يُشكِّل مرحلة مهمَّة في علاج الحالة المروريَّة، بحيثُ تبدأ من الذَّات وتعكسها الممارسات وتهذبها التصرفات وتظهر نتائجها على واقع الطريق في انسيابيَّة الحركة المروريَّة ومزيدٍ من الأمان لمستخدمي الطريق.
أخيرًا، فإنَّ شهر رمضان المبارك فرصة لتقييم الذَّات وتصحيح الممارسات، وتوجيه إرادة سائق المركبة في التغيير من عاداته المروريَّة، كالتجاوز الخاطئ واستخدام الهاتف في أثناء القيادة، والسرعة الجنونيَّة وعدم المبالاة في القيادة والاستعجال في الطريق والانشغال عن القيادة، وتجاوز الإشارات الضوئيَّة الحمراء والاستخفاف بالتعليمات والتوجيهات، لينتقلَ السائق من مرحلة الخوف الوقتي من رقابة رجُل الشُّرطة إلى استشعار مستدام لرقابة الذَّات، ويتعامل مع الضبطيَّة المروريَّة بوصفها وجدت لمصلحته حاضرًا ومستقبلًا له ولأبنائه، بما يُحقق انسيابيَّة الطريق، ويحوِّل القلق والارتباك إلى أمن وأمان.
د.رجب بن علي العويسي