السبت 23 مايو 2026 م - 6 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. التفاوض والنية الصادقة

فن الدبلوماسية .. التفاوض والنية الصادقة
الثلاثاء - 17 فبراير 2026 06:43 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

20

التفاوض من أغلى وأشرف سِمات الحياة الراقية الحضريَّة الَّتي تسند إلى حُب الأمل والاستقرار والازدهار والأمان لمختلف أنواع التفاوض، والَّذي يقع ضِمن الإتيكيت الاجتماعي أو الإتيكيت الحكومي، وبجميع أنواعه الدوليَّة مثل: العسكريَّة، الاقتصاديَّة، الصحيَّة السياسيَّة منه أو الشخصيَّة، المُجتمعيَّة. تؤكِّد جميع المدارس الدبلوماسيَّة والجامعات المتخصِّصة بالعلوم السياسيَّة، وكذلك المعاهد والكُلِّيَّات عِلم النفْس الاجتماعي على ضرورة توافر المصداقيَّة، وحُسن النيَّة في الجلوس إلى طاولة المفاوضات لأنَّ صفة الصِّدق هي مِن أسْمَى تيجان الحياة المستقرَّة، مثال ذلك على مستوى الشخصي؛ عِندَما يَقُوم الشَّاب بخطبة البنت بنيَّة صادقة لتأسيس حياة عائليَّة سعيدة فإنَّها تدوم وتكُونُ هُوِيَّتها السعادة والترابط الأُسري المتين، عكس إذا كان الارتباط مبنيًّا على مطامع ماديَّة أو استحواذ على مناصب حكوميَّة أو أخرى. وبنفْس المثال: إذا كانت المفاوضات الدوليَّة مبنيَّة على أهداف غير معلنة ومبيَّتة فإنَّ هذه المفاوضات تكُونُ النتائج معلومة لدَيْنا، وهي الفشل وإن كانت هناك سلسلة من الاجتماعات.

أغلب الدراسات النفْسيَّة تعتمد على فلسفة عِلم المنطق، وتضع لُغة الجسد من أهمِّ وأرقى علامات حُسن النيَّة في صِدق المفاوضات؛ لأنَّ لُغة الجسد هي عبارة عن مجموعة من التصرفات الحركيَّة والسلوكيَّات الصَّادرة من اليد والوجْه والعين والحواجب والأقدام ونبرات الصَّوت والأكتاف والرأس الَّتي تستخدم؛ لِيفهمَ الطرف الآخر الرسائل بشكلٍ أفضل، وهي غير لفظيَّة ذات معنى ودلالة، سواء إيجابيَّة أو سلبيَّة تعكس أفكار الفرد الباطنيَّة عن طريق حركات الجسد. أمَّا فنُّ الدبلوماسيَّة وعلاقته بلُغة الجسد فهو الفنُّ الَّذي يدرس هذه الحركات ويحلِّلها ويترجمها لمعرفة كاريزما وشخصيَّة المفاوِض أو الزائر معتمدًا على أبعاد وتغييرات تعبيرات الوجه، العيون، الحواجب، الإيماء بالأيدي والأصابع، الذراعين والساقين، الجلوس، المساحة الشخصيَّة بَيْنَ الأشخاص، المشي، نبرات الصوت، المصافحة وغيرها من الأمور الأخرى. كما أنَّ أهمَّ مهارات عِلم الجسد هو التحكم عِندَ الانفعال أو المبالغة في السلوكيَّات، مثال على ذلك؛ رفع نبرة الصوت لغرض السيطرة على الطرف الثاني، الابتسامة ووقتها ومناسبتها؛ لأنَّه قد تُعطي معنًى سلبيًّا، وهو الاستهزاء إذا استُخدمت من باب الأنانيَّة والسيطرة والتقليل من الطرف الآخر، مهارة التحكم في تعابير الوجه، مهارة استخدام اليدين والأذرع والأصابع، مهارة السيطرة على المشاعر والأحاسيس. كما أنَّها تُرسل أفكارًا وردود أفعال غير لفظيَّة صادقة أو بالعكس تعَبِّر عن جوهر ومصداقيَّة الموضوع الَّذي يتمُّ مناقشته للتوصل إلى حلٍّ يُرضي جميع الأطراف، سواء على المستوى الشخصي الاجتماعي أو على المستوى الحكومي الدولي. كثيرًا ما نسمع بأنَّ هناك طرفًا ثالثًا في المفاوضات، سواء على المستوى السياسي الدّولي أو الاجتماعي؛ ولذلك لغرض تسهيل مهمَّة المفاوضين الرئيسين وإن كان غير مفوَّض بالضغط على الدخول بالمسائل الجوهريَّة بالمناقشات، وهذا ما لاحظناه في المفاوضات الروسيَّة الأوكرانيَّة، حيثُ كان الجانب التركي يمهِّد لهذه الاجتماعات وتقريب وجهات النظر ليس إلَّا والجميع جالسون على طاولة واحد، عكس ما نلاحظه في المفاوضات الإيرانيَّة الأميركيَّة غير المباشرة الَّتي تُعقد بمسقط كطرف ثالث؛ أي كُلُّ وفدٍ يجلس بغرفة منفردة، ويكُونُ الوفد الإيراني قاعة اجتماعات، وكذلك الوفد الأميركي في قاعة أخرى. وفي رأيي الشخصي أنَّ المفاوض الإيراني على مدى التاريخ يتميَّز بأنَّه أفضل المفاوضين؛ لكونه يتسلح بسِمات ومُقوِّمات التفاوض النموذجيَّة، ومنها التأنِّي والمطاولة وحُب الاستماع والمناقشة والتأجيل بمواعيد الاجتماعات لغرض كسب نقاط القوَّة في المفاوضات، بالإضافة إلى الفراسة العالية لدى المفاوض الإيراني من ناحية لُغة الجسد والَّتي تكشف مفاتيح الصِّدق أو المراوغة من الطرف الآخر أثناء الجلوس والتفاوض بصورة مباشرة، لذلك لم تكُنِ المفاوضات السابقة مبنيَّة على النيَّة الصادقة من الطرف الأميركي للوصول على حلول ترضي الطرفين، وبالتَّالي تضع المنطقة كاملة على صفيح ساخن وكانت نتائجها العمليَّات العسكريَّة بَيْنَ (إيران، أميركا، والكيان الصهيوني) الَّتي بدأتها أميركا. تبقى ثوابت فنّ الدبلوماسيَّة، ومنها التفاوض، هي أحد أعمدة النجاح والتميُّز، سواء في الإتيكيت الحكومي أو الإتيكيت الاجتماعي. المفاوضات والتفاوض والمفاوض هذه هي سرُّ الحياة الناجحة والمثاليَّة، وتاريخ المفاوضات ليس له وقت محدَّد، فهي نشأت بصورة غير مباشرة مع الجنس البشري منذُ القِدم.

صِفة التفاوض لا تنطبق على الدبلوماسيين أو السياسيين أو رجال الدَّولة فقط، وإنَّما تبدأ من العائلة؛ لأنَّ أيَّ انهيار ـ لا سمح الله ـ في مناقشة موضوع ما قد تؤدي إلى تشتيت العائلة، وهو الطلاق بسبب انهيار مرتكزات التفاوض بَيْنَ الزوجين حَوْلَ نقطة معيَّنة أو عدَّة نقاط.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت