الثلاثاء 17 فبراير 2026 م - 29 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : استعدوا للزائر المبارك

أضواء كاشفة : استعدوا للزائر المبارك
الاثنين - 16 فبراير 2026 06:55 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

10

اقترب موعد قدوم شهر رمضان المعظم، وبدأنا نشعر بنسمات الرحمة تسبقه لتمهد له الطريق في القلوب.. فهذا الضيف المبارك العزيز لا يعد زمنًا يقاس بالليالي والأيام، بل هو حالة روحيَّة تعيد ترتيب المؤمن من الداخل وتوقظ في نفسه الشوق إلى الصفاء، كما أنَّها تجلب معها الشعور بالطمأنينة، وإذا حلت أشرقت في الأرواح أنوار الرجاء.. فهو شهر العبادة والرحمة والمغفرة، وفيه تتجلى أسمى معاني السُّمو الروحي والتقارب الإنساني.. وجعله الله سبحانه وتعالى موسمًا لمضاعفة الحسنات وتهذيب النفوس.

في هذا الشهر المبارك أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه المعجز القرآن الكريم على قلب النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان نزوله إيذانًا ببداية فجر جديد للبشريَّة جمعاء.. ومنذ ذلك الحين صار رمضان شهر الكلمة النورانيَّة الَّتي تهدي الحائرين وتوقظ الغافلين، وتربط الأرض بالسماء بخيط من وحيٍ لا ينقطع أثره.. لذلك فإنَّ أول ما يتزين به رمضان هو صوت القرآن وهو يتردد في البيوت والمساجد والشوارع وفي كُلِّ مكان فينساب في القلوب انسياب الماء العذب في أرض عطشى.

إنَّ الصيام في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو ارتقاء عن كُلِّ ما يثقل الروح ويكدر صفاءها.. فحين يجوع الجسد تشبع الروح.. وحين يعطش اللسان ترتوي البصيرة.. ويتعلم الإنسان في مدرسة الصوم كيف يضبط رغباته، وكيف يضع بَيْنَه وبَيْنَ نزواته مسافة من الوعي والتأمل.. فالشهر المبارك تدريب يومي على الصبر وعلى تأجيل اللذة وعلى استحضار معنى المراقبة.

ولأن رمضان موسم استثنائي فإن الاستعداد له ينبغي أن يكون استثنائيًّا كذلك.. والاستعداد الحقيقي لا يبدأ بشراء ما يلزم من طعامٍ وشراب كما هو عادة أغلب المسلمين، بل يبدأ بتوبة صادقة ومصالحة مع النفس ورد الحقوق إلى أصحابها وقرار داخلي بأن يكون هذا الشهر بداية لا تكرارًا.. فما أجمل أن يدخل الإنسان رمضان وقد خفف من أعبائه القديمة وأغلق أبواب الخصومة وفتح نافذة للأمل.. فالدخول إلى رمضان بقلب نقي يساعد على استثمار أيَّامه ولياليه على الوجه الأمثل. ومن صوَر الاستعداد أيضًا تنظيم الوقت ووضع خطة واضحة للعبادة تشمل أوقات الصلاة في المسجد وصلاة التراويح وقيام الليل وأوقات قراءة القرآن والذكر.. فكثيرًا ما يضيع وقت رمضان في الانشغال المفرط بوسائل التواصل أو السهر غير النافع مما يحرم الإنسان من بركات هذا الموسم العظيم.. لذا فإنَّ إدارة الوقت بحكمة تُعَد من أهم مفاتيح النجاح في رمضان. ثم يأتي الاستعداد بالاقتراب من القرآن قبل حلول الشهر حتَّى إذا أقبل رمضان كان القلب قد ألف صوته واطمأن إلى حضوره.. فالقرآن في رمضان ليس تلاوة عابرة، بل صحبة يوميَّة وحوار صامت بَيْنَ العبد وربه.

ولا يقتصر الاستعداد على الجانب الروحي فحسب، بل يشمل كذلك الاستعداد الأسري والاجتماعي.. فمن الجميل أن تجتمع الأسرة قبل رمضان لوضع برنامج مشترك للعبادة كأن يخصصوا وقتًا يوميًّا لتلاوة القرآن جماعيًّا أو لحضور درس دِيني أو للمشاركة في أعمال تطوعيَّة.. كما أنَّ إشراك الأطفال في أجواء رمضان وتعويدهم على الصيام التدريجي وتعريفهم بقيمته يعمق في نفوسهم حُب هذا الشهر، ويغرس فيهم روح الانضباط والمسؤوليَّة.

ومن روعة هذا الشهر أنَّه لا يكتفي بإصلاح الفرد، بل يسعى إلى ترميم المُجتمع كله.. ففي لحظة الإفطار حين تمتد الأيدي إلى الماء والتمر يتذكر الصائم ملايين الأيدي الَّتي لا تجد ما تمتد إليه.. هنا يتجلى معنى التكافل الاجتماعي في أبهى صوَره؛ إذ يتحول الإحساس بالجوع إلى جسر من التعاطف ويتحول الشعور بالحاجة إلى دافع للعطاء.. فرمضان هو شهر الصدقات الخفيَّة والأيادي البيضاء الَّتي تعمل في صمت.. وهو شهر الزكاة الَّتي تطهر المال وتزكي النفس.. وموائد الإفطار الَّتي تجمع الغني والفقير على بساط واحد.. وفي هذا الشهر تتقلص الفوارق وتذوب الحواجز ويشعر الجميع أنَّهم أبناء أسرة واحدة.. فالتكافل في رمضان ليس مجرد فعل اجتماعي، بل هو عبادة تقصد بها وجه الله ووسيلة لإحياء معنى الأخوة في أعمق صورها.

ولا يقف التكافل عند حدود المال فالكلمة الطيبة صدقة.. والابتسامة في وجه المهموم صدقة.. وزيارة المريض صدقة.. وإصلاح ذات البَيْنِ صدقة.. وكم من قطيعة يمكن أن تنتهي في رمضان.. وكم من قلب منكسر يمكن أن يلتئم بدفء اهتمام صادق.. فالمجتمع الَّذي يعيش رمضان بروحه الحقيقيَّة يخرج منه أكثر تماسكًا وأشد رحمة.

إنَّ رمضان وعد متجدد بأنَّ الإنسان قادر على أن يسمو، وأنَّ المجتمع قادر على أن يتراحم.. فإذا أحسنا استقباله وأعددنا له قلوبًا واعية وأيديًا معطاءة صار مدرسة للروح وربيعًا للقيم وجسرًا نعبر به من ضيق العادة إلى سعة العبادة ومن فرديَّة الاهتمام إلى رحابة التكافل والمحبة.. فرمضان محطة تربويَّة كبرى تعيد للإنسان توازنه وتذكره برسالته في عمارة الأرض بالخير والمحبة والسلام.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني