الثلاثاء 17 فبراير 2026 م - 29 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

ازدواجية المصالح واختلال المعايير أفسدت مجالات التعاون وأسس العلاقات الدولية

ازدواجية المصالح واختلال المعايير أفسدت مجالات التعاون وأسس العلاقات الدولية
الاثنين - 16 فبراير 2026 06:48 ص

سعود بن علي الحارثي

10

تبنى سياسات بعض أنظمة الحُكم الَّتي تمتلك القوَّة وتتبنى نهجًا توسعيًّا وتسعى إلى الهيمنة... على قاعدة تجيز لها التخويل، سواء كان هذا التخويل شرعيًّا بحكم تفويض أو اختصاص، أو أخذته خداعًا وعن طريق المؤامرات وصناعة وتضخيم خطر غير موجود، أم اغتصابًا فرضته إرادة المركز بحكم ما تتمتع به الدولة من قدرات ومكنات اقتصاديَّة أو عسكريَّة أو جغرافيَّة أو تاريخيَّة أو كُلّها مجتمعة، ونفوذ عالمي أو إقليمي ـ تخويلًا يجيز لها الحكم ـ على أعمال الآخرين ومراقبة تصرفاتهم ورصد تحركاتهم وتصنيف سياساتهم ضمن دائرتي أو محوري الخير والشر، الصح والخطأ السيئ والحسن... ويجري التعامل مع تلك الأعمال وفقًا لمعايير وأطر متعارف أو متفق عليها بَيْنَ أعضاء اللوبي المسانِد لتلكم القوَّة، وتكييفها بما يخدم مصالح تلك القوى ويحقق لها المزيد من الهيمنة والنفوذ والتسلط العالمي أو الإقليمي وفقًا لموقعها وتصنيفها ومستوى قوتها ونفوذها، وتنال تلك المعايير والأُطر رضا عامَّة المحتكمين إليها، ويحدث في استثناءات وظروف محدَّدة، أن تصبح متوافقة ومسايرة لنطاقها الطبيعي، وأحكامها ملامسة وقريبة من تحقيق العدالة، وتبث التفاؤل في الشعور الإنساني، والأمل بأن يجري تطبيقها مستقبلًا على الجميع دون استثناء، قبل أن تصدم تلك المشاعر وتسحق الروح وتهدم الهياكل والأساسات الَّتي تستند إليها القوانين والقِيَم والمُثل متى ما تعارضت مع مصالح تلك القوى، الَّتي تمول وتتحكم من ثم، في المؤسَّسات والأنظمة والقوانين الدوليَّة، وتديرها وتحركها وتوظفها، لتعزيز وتوسيع منافعها، وتنفيذ وتطبيق سياساتها ومآربها المعلنة منها والمخفيَّة، الَّتي تحددها شبكة من اللوبيَّات والعلاقات الذكيَّة، حينها تطبق تلك المعايير والأُطر والتوصيات والقرارات على فرد أو حكومة ما، ويتمُّ استثناؤها عن حكومة ونظام ومجموعة سياسيَّة أخرى، انطلاقًا وارتباطًا بتلك المصالح، فتفرض عقوبات صارمة، وتحاصَر بُلدان وشعوب، ويتمُّ التنديد بخطط وسياسات، وتموّل أذرع وميليشيات، وتسانَد معارضات وثورات، وتحرَّك وتنسج خيوط من المؤامرات لخلق قلاقل وفوضى عارمة، وتصنَّف جماعات وأشخاص باعتبارهم إرهابيين، أو تتمُّ تبرئتهم من هذه الوصمة، ويحدث العكس بجرَّة قلم لا غير، ويتمُّ حشد الحشود وتجريد الجيوش لتغيير نظام يعيق سياسات ومصالح قوَّة عظمى، ويُستبدل بآخر موالٍ و»صديق متعاون»... كُلُّ هذه الفوضى العارمة الَّتي يشهدها العالم اليوم مرتبطة بشكل أو بآخر بمصالح قوى عالميَّة أو إقليميَّة، ومرآة عاكسة لسياساتها، وتنفيذ لخطط ورؤى وقرارات غايتها إكسابها المزيد من القوَّة والنفوذ والهيمنة والتسلط، ومحاولة إزالة كُلِّ ما يُهدِّد ويعيق توسُّع استثماراتها ووضع اليد على ثروات العالم، وفتح المنافذ لشركاتها العابرة للقارَّات وصناعاتها العملاقة لتحتلَّ وتبسط يدها على أسواق جديدة، ثم استمرارها في الأسواق الحاليَّة... ولا يهمها في شيء أن تتهم بأنَّ تطبيقها للقوانين يدخل فيما يُسمَّى بـ»ازدواجيَّة المعايير». إنَّ هذا النوع من التخويل لا تمتلكه في عالمنا المعاصر مؤسَّسات ذات استقلال قوي، وتستند إلى تفويض وشرعيَّة معترف بها، يستحيل تقويضها، ولم تؤسّس وتصَغ آليَّاتها وأحكامها على أساسات شرعيَّة وقانونيَّة واضحة يصعب التلاعب بها والاختلاف على تفسيراتها وشروحها، هو تخويل اغتصبته وتحكمت فيه اليد الَّتي امتلكت نواصيها أسباب القوَّة والنفوذ، وعلى أساس هذا الواقع المعوج، المعيب والمخل والمخجل، فإنَّ المؤسَّسات والقوانين العالميَّة الَّتي تأسَّست نصًّا وتنظيرًا، وليس فعلًا وتطبيقًا، من أجل تحقيق المساواة والعدالة الإنسانيَّة، والدفاع عن حقوق الإنسان وتعزيز الحُريَّات، وفرض العقوبات على القوى المستبدة الظالمة والمستعمرة للشعوب، ومراقبة الانتهاكات الَّتي تمارس ضد المُجتمعات والأفراد والجماعات ومحاولة التصدي لها، والتنديد بالأعمال والممارسات الَّتي تسعى إلى استهداف الأقليَّات والتنكيل بهم لأسباب مذهبيَّة وعِرقيَّة ودِينيَّة وطائفيَّة... ـ تحولت أيّ هذه المؤسَّسات والقوانين ـ إلى سيف مسلَّط بِيَدِ القوى العظمى العالميَّة والإقليميَّة تمارس به عربدتها وفوضاها وظلمها واستبدادها والحصول على المزيد من التفويض والتخويل والهيمنة على المُجتمعات والشعوب والبلدان الأقل قوَّة منها، فلا غرو أن يفقد هذا النظام العالمي مكانته وتنهار الثقة فيه، وبأن تشعر كُلُّ دولة بالذعر والخوف والقلق والحذر من جيرانها ومن أيِّ قوَّة إقليميَّة تشاركها حدودها أو عالميَّة، فتجيش الجيوش وتنفق معظم دخلها في التسليح وفي تعزيز الحماية، وتوقيع الاتفاقيات العسكريَّة ـ الدفاعيَّة، مع دول عظمى بدعوى أنَّها «صديقة»، لحمايتها من قوَّة إقليميَّة... فيما الحقيقة أنَّ الصداقة والعلاقات البريئة لا مكان لها في عالم السياسة، هو عالم مليء بالدسائس والمؤامرات وتبادل المصالح والمنافسة على التمدد والسُّلطة وابتلاع المزيد من مناطق النفوذ وثروات الدول الضعيفة المتكئة على الحماية والمعتمدة على قوى عظمى لمدِّها بالسلاح والتدريب على استخدامه... إنَّ التلاعب بالمعلومات وتلوينها وفبركتها، ونشرها وحشو أدمغة الشعوب بها لخلق وتوجيه قناعات ورؤى وأفكار مؤيِّدة لسياسات وتوجُّهات النظام السياسي للقوَّة العظمى، واستثمارها ثم توظيفها في إدانة وفرض عقوبات على حكومة أو بلد أو جماعة ما، لتحقيق أهداف وغايات ومصالح مَن يقف وراءها، هي لعبة خبيثة توسَّعت أمديَّة استخدامها واللجوء إليها وممارستها، وانتشرت صوَرها ونماذجها في هذا الزمن، حيثُ يتمُّ استحداث تهم وإسقاطها على حكومات بِعَيْنها وإدخالها في سجل المحظورات والمحرمات، حتَّى وإن كانت تلك الأعمال والسياسات حقًّا من حقوق تلك البلدان والشعوب، وهي ذاتها في المقابل، يتمُّ التغاضي والتجاهل عنها مع دول أخرى، في ازدواجيَّة صارخة وخلل معيب للمعايير الإنسانيَّة والقانونيَّة وإساءة سافرة للقوَّة، فلا غرابة أن تفقد البشريَّة ثقتها في هذا النظام العالمي الَّذي يفتقر في تعاملاته وسياساته وقراراته إلى أدنى المقاييس الأخلاقيَّة والمُثل والقِيَم الإنسانيَّة، فحتَّى أولئك البسطاء الَّذين أراحوا أنفسهم من الانشغال بدهاليز السياسة، وقاطعوا أخبارها وتحليلاتها، يعون ويدركون بأنَّ القوى العظمى في العالم تمارس الازدواجيَّة في تعاملها مع الدول والحكومات والمنظَّمات والأفراد، وفي دعواها المعلنة عن معالجتها للبؤر والقضايا والملفات والأحداث العالميَّة، السياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة؛ فصوَر تلك الازدواجيَّة وأشكالها تشرح ذاتها في تجسيد واضح يطرح عشرات الأسئلة الاستفهاميَّة، وما هذه الصيغ المستهجنة والرافضة للسياسة المقيتة المبنيَّة على ازدواجيَّة واضحة، والَّتي تعلن عنها الشعوب في بُلدانها في مختلف أرجاء المعمورة غضبًا عارمًا ومظاهرات وكتابات، إلَّا تجسيد لهذه الحقيقة الجليَّة، لقد أدَّت ازدواجيَّة الاستغلال والمصالح والمطامح غير المشروعة إلى محاصرة شعوب ومعاناة أقطار وتشريد أُمم، إلى اختلال في موازين التعامل وارتكاب أخطاء قاتلة واستهتار بالعلاقات وإشاعة الفوضى في العالم، وأفضت إلى الإضرار بالقِيَم الإنسانيَّة النبيلة واختلطت معايير الحق والباطل.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]