الثلاثاء 17 فبراير 2026 م - 29 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : المسؤول الحكومي الذي نريد فـي زمن «إجادة»

في العمق : المسؤول الحكومي الذي نريد فـي زمن «إجادة»
الاثنين - 16 فبراير 2026 06:21 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

تطرح منظومة «إجادة» اليوم، في ظل حجم الاستياء وأزمة الثقة الَّتي تعيشها داخل المُجتمع الوظيفي، جملةً من التساؤلات العميقة والنقاشات المستفيضة الَّتي تستدعي الوقوف عِندَها ومعالجتها بكُلِّ شفافيَّة ومصداقيَّة. فالمسألة لم تَعُدْ مجرَّد آليَّة تقييم تُطبق في نهاية العام، بل تحوَّلت إلى قضيَّة رأي وظيفي عام، تَمسُّ الاستقرار النفْسي للموظف، وتؤثر في مستوى الرضا، وتنعكس على الإنتاجيَّة والانتماء المؤسَّسي. ومع قناعتنا بأهميَّة وجود نظام وطني لإدارة الأداء يضبط الأداء المؤسَّسي ويرفع من كفاءة الجهاز الإداري للدَّولة، فإنَّ الحاجة باتتْ مُلحَّة إلى حوكمة تضبط مسار «إجادة»، وتُعِيد بوصلة اتِّجاهها، وتصنع منها منظومة أداء داعمة لا منفِّرة، مقرِّبة لا مبعدة، عادلة لا ظالمة، ومنهجيَّة لا تدويريَّة.

المعطيات الحاليَّة تؤكد أنَّ الحكومة أمام خياريْنِ لا ثالث لهما: إمَّا معالجة جادَّة وشاملة لكُلِّ أدوات «إجادة»، من أنظمة التقييم وفلسفة العمل إلى آليَّات رصد النجاحات ومعالجة الإخفاقات، بالشكل الَّذي يَضْمن استعادة الثقة المُجتمعيَّة فيها، أو إعادة النظر فيها جذريًّا، والتفكير في مسار تقييمي أكثر عدالة ومهنيَّة واحترافيَّة، وأكثر ارتباطًا بمتطلبات الوظيفة العامَّة وتحقيق مفهوم الوظيفة المواطنة والموظف العابر للحدود. غير أنَّ المسار الأول، وهو الأجدر بالمعالجة، يتطلب إيجاد مرجعيَّة وطنيَّة عُليا تتبع جلالة السُّلطان، تُمنح المنظومة القوَّة والصلاحيَّات والعدالة والنزاهة، وتَضْمن أن تكُونَ أداة إصلاح لا سبب احتقان.

ومع التسليم باستمرار «إجادة» دون تغيير لمساراتها أو ردّ اعتبار لمطالب الشارع الاجتماعي بإلغائها أو إعادة صياغتها أو مراجعة فلسفتها، إلَّا أنَّ الصورة الضيِّقة الَّتي أفرزها المنحنى ونسبة الاستحقاق (10% للامتياز و35% لجيِّد جدًا) أسهَمتْ في خلق شعور واسع بعدم الرضا، خصوصًا عِندَما يُسقط بعض المسؤولين المسؤوليَّة عن أنفسهم، ويبرِّرون قراراتهم بأنَّ المسألة خارج إدارتهم، وأنَّهم ملزمون بما يفرضه عليهم النظام. هذا الخِطاب، في حقيقته، أسْهَم في تكريس صورة سلبيَّة مشوّهة عن «إجادة» ذاتها، وأعطى انطباعًا بأنَّ الظلم واقع، وأنَّ إجادة تكرِّس هذه اللُّغة، وأنَّ المسؤول مجرَّد منفِّذ لا يملك من أمْره شيئًا.

غير أنَّ هذه المساحة المحدودة للمسؤول في المنحنى، ومنح التقديرات لا تبرِّر الظلم ولا تشرِّعه ولا يَجِبُ أن ينظر إليها بأيِّ حال من الأحوال أنَّها السَّبب في الظلم الواقع على الموظَّف، ولا يجوز أن تكُونَ مبرِّرًا للكراهية والحساسيَّة وإثارة الاستياء في المُجتمع الوظيفي. فالالتزام بما فرضتْه آليَّة التقييم لا ينفي الالتزام بجوهر القانون، ولا يعفي المسؤول من تعظيم مستوى الرضا، وخلق ممكنات مهنيَّة تحافظ على العدالة، وترفع سقف الأمانة الوظيفيَّة. إنَّ تكهن المسؤول وردوده السلبيَّة، ونقله صورة مشوّهة إلى المُجتمع الوظيفي بأنَّ المنحنى يُلزمه بالظلم، لا يعفيه من مسؤوليَّته الأخلاقيَّة والمهنيَّة، ولا يعني أنَّه رهين هذا المنحنى ونتائجه.

من هنا تتأكد الحاجة إلى تحوُّل حقيقي في دَوْر المسؤول، والخروج من التقليديَّة ونطاق التكهنات والمبرِّرات وإضفاء الذاتيَّة على السلوك إلى أُفق أوسع يستوعب الفلسفة الإداريَّة الَّتي جاءت بها «إجادة»، والمتمثلة في إذكاء روح التنافس الشريف وتعظيم الإنتاجيَّة وبناء مُجتمع وظيفي متماسك يمتلك القوَّة ويصنع الفارق. إنَّ المسؤول الَّذي نريده في زمن «إجادة» هو الَّذي يُحسن توظيف النصوص والأدوات ويصنع منها أثرًا إيجابيًّا وروحًا تغييريَّة رغم قسوتها ورغم عدم جاهزيَّتها، فهو لا يمارس سُلطة الفوقيَّة، بل يعمل بروح الفريق، مستشعرًا ما يحمله المُجتمع الوظيفي من خبرات واستعدادات وقدرات وممكنات. ففي ظل هذا الثراء والتنوع يُمكِن تعزيز جاهزيَّة المؤسَّسة، ورفع تقديراتها، وتعظيم فرص نجاحها مع مراعاته الأبعاد الأخرى الناعمة المرتبطة بجوهر التقييم من حيثُ التنافس في الشخصيَّة والالتزام والمهارات والجهد المقدَّم من الموظَّف خارج الحدود ـ أي خارج حدود الوظيفة والمؤسَّسة ـ بما يُعزِّز من ربط الوظيفة بالمواطنة، ويؤصِّل مفهومًا أعمق للوظيفة وإنتاج مواطن منتج وفاعل انطلاقًا من غايات رؤية «عُمان ٢٠٤٠» وهي أُمور لا تتحقق إلَّا بإدماج الوظيفة بالوطن والدَّولة والمسؤوليَّة والهُوِيَّة والإنسانيَّة والمبادرة. فإنَّ خلْق هذا التمازج والتناغم والتكامل دعوة إلى الانتقال بالوظيفة إلى خارج الحدود. وهذا أمر لا يتحقق إلَّا بما يحمله المسؤول الحكومي من ممكنات وقدرات واستعدادات وكفاءة في إدارة نظام «إجادة» وتوجيهه لصالح إنتاج القدوات والنماذج المؤسَّسيَّة.

وبالتَّالي يصبح تقييم المسؤول للموظَّف محطَّة اختبار تُعِيد إنتاج سلوك المسؤول فيستحضر الأبعاد الأخلاقيَّة والنفسيَّة والفكريَّة والأدائيَّة والتحفيزيَّة لِتصبحَ موجّهات تصنع من مساحة التقييم رغم محدوديَّتها روحًا تغييريَّة، ومنهجًا يبقى مددًا يصنع في حياة المسؤول الفارق، ويُبقي له مساحات الذِّكر والإشادة والتقدير حاضرة حتَّى بعد انتقاله من المؤسَّسة أو خروجه للتقاعد، ويصبح حديث موظَّفيه وما صنَعَه من تحوُّل نموذج في الأداء الراقي والمسؤول الإنسان. إنَّ التقييم مسؤوليَّة كبرى لا تختزل في رقم أو نسبة، بل هي أمانة تقتضي أن يمتلك المسؤول من القدرات والمهارات ما يفوق ما يمتلكه الموظَّف الَّذي يُقِيمه، حتَّى يكُونَ حكمه نابعًا من واقع، ومبنيًّا على مصداقيَّة وشفافيَّة، ويُعَبِّر عن الأداء الحقيقي، ويقدِّم تغذية راجعة منتِجة. فالموظَّف الَّذي وُضع في تقدير «جيِّد» أو «ضعيف» يحتاج إلى مساحة يستشعر فيها العدالة حاضرة، ويجد فيها خطَّة تطوير واضحة، وفرصة لتعويض ما فاته.

وإنَّ مِن بَيْنَ أهم ما ينبغي أن يمتلكه المسؤول، إلى جانب الذكاء الإداري الَّذي يجمع بَيْنَ الالتزام بالقانون والإجراءات، هو الذكاء الوجداني الَّذي ينطلق من مبادئ الإنسانيَّة والدافعيَّة والحوافز. فالذكاء الوجداني هو القادر على إعادة رسم الابتسامة في حياة الموظَّف، وجبر الخاطر حين لا تسمح النسبة بمنحه الامتياز، وتعويضه بحوافز معنويَّة وفرص تطوير، وتكليفات نوعيَّة، وإشادة علنيَّة بجهوده. وهو أيضًا القادر على احتواء الاستياء، وتخفيف حدَّة الشعور بالظلم، وتحويل التقييم من صدمة نفسيَّة إلى محطَّة تطوير. وهو أمر يستدعي اليوم أن يكُونَ جزءًا من تكوين شخصيَّة المسؤول الحكومي وأولويَّة يَجِبُ على أساسها تقييم نجاح هذا المسؤول في قدرته على إدارة «إجادة» وتحقيق أهدافها والانتقال بها من السلبيَّة والاستياء إلى كونها منظومة داعمة للعدالة وإنتاج الكفاءة ورسم الابتسامة وخلق الفرص وصناعة التغيير.

إنَّ الذكاء الوجداني للمسؤول محطَّة فارقة في تغيير الصورة الذهنيَّة المشوّهة الَّتي أسقطتها ممارساته على «إجادة» وأدَّت إلى حالة من الاختلالات في تركيبة المُجتمع الوظيفي، وإنَّ من بَيْنَ ما يَجِبُ أن يمتلكَه المسؤول الحكومة من استراتيجيَّات الذكاء الوجداني في الخروج من أزمة الثقة: فَهْم مشاعر الموظَّف واستيعاب أثَر القرار عليه، وتقديم تغذية راجعة منتِجة وبنَّاءة يشعر بحاجته إليه وبأنَّها طموح له، وجبر الخاطر عِندَ تعذر منحه الامتياز، وخلق بدائل تحفيزيَّة تعوض النقص في التقدير الرقمي، ذلك أنَّ المسؤول الَّذي يمتلك الذكاء الوجداني يدرك أنَّ التقييم ليس نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة من العمل معًا والشراكة والاحتواء والحوار، وأنَّ الموظف الَّذي حصل على «جيِّد» يحتاج إلى خطَّة تطوير؛ وأنَّ من حصل على «ضعيف» يحتاج إلى احتواء وتوجيه، فإنَّ الذكاء الوجداني يصنع تحوُّلًا حقيقيًّا في أداء المسؤول الحكومي؛ لأنَّه يُعِيدُ الاعتبار للبُعد الإنساني في إدارة الموارد البشريَّة، ويحوِّل التقييم من أداة تصنيف مجرَّدة إلى أداة تمكين وإعادة الثقة.

من هنا فإنَّ المسؤوليَّة تقتضي اليوم أن يكُونَ المسؤول الحكومي صوت المُجتمع الوظيفي أمام جهات الاختصاص، وأن ينقلَ مرئيَّات العاملين بالمؤسَّسات وتظلُّماتهم واستيائهم حَوْلَ «إجادة»، واقتراح التعديلات الَّتي تتواءم مع طبيعة العمل والظروف المحيطة به. فلا يبرِّر وقوعه في الظلم ولا تسبُّبه في وصول المُجتمع الوظيفي والموظَّف إلى هذا المستوى من الاستياء والتشاؤم وعدم الرضا بسبب المنحنى ومحدوديَّة الخيارات المتاحة له، كما أنَّ دَوْره لا يقف عِندَ حد التطبيق، بل عليه أن يقدِّم لجهات الاختصاص الرجع حَوْلَ مرئيَّات المؤسَّسة بما يتكيَّف مع طبيعة عملها، والظروف الَّتي تعمل فيها، وليس عليه أن يقفَ موقف المتفرج لِمَا يَحدُث، أو السَّاكت عن قَبول الحقِّ بالدفاع عن المُجتمع الوظيفي وحقوق الموظفين أمام جهات الاختصاص. لذلك رغم ما يثار من أنَّ المسؤول ليس بِيَدِه شيء وأنَّ نظام «إجادة» هي من تريد ذلك فأمر غير مقبول. ومردود عليه بأنَّ «إجادة» منظومة صنعها الإنسان وهي قابلة للتطوير، يعتريها الصواب والخطأ، والقوَّة والضعف، والتعديل عليها وضبطها وحوكمتها عمليَّة ضروريَّة لرفع الثقة ومعالجة الثغرات.

أخيرًا، فإنَّ المسؤول الَّذي نريده في زمن «إجادة» هو مَن يوازن بَيْنَ تطبيق آليَّات التقييم ورفع مستوى الحوافز، وبَيْنَ الالتزام بالمنحنى وتعزيز الدافعيَّة، وبَيْنَ احترام النَّص واستحضار روحه. هو مَن يدرك أنَّ العدالة ليست رقمًا، وأنَّ الكفاءة ليست تصنيفًا، وأنَّ الوظيفة ليست حدودًا ضيِّقة، بل امتداد للهُوِيَّة والمسؤوليَّة والمواطنة. وهو مَن يؤمن بأنَّ التمازج بَيْنَ الوظيفة والوطن، بَيْنَ الأداء والانتماء، بَيْنَ القانون والإنسان، هو السبيل لبناء «مُجتمع ـ عُماني ـ إنسانه مبدع، معتز بهُوِيَّته، مبتكر ومنافس عالميًّا».

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]