الثلاثاء 17 فبراير 2026 م - 29 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : دورة اقتصادية تتسارع بثقة مؤسسية

الاثنين - 16 فبراير 2026 04:00 م

رأي الوطن

20

تُشكِّل المشروعات الإنمائيَّة المحرِّك الأوضح لديناميكيَّة الاقتصاد الوطني، حيثُ تتحول من بند إنفاق في الموازنة إلى أداة استراتيجيَّة لإدارة النُّمو وتحفيز النشاط عَبْرَ مختلف القِطاعات؛ فعِندَما تعلن الجهات المختصَّة عن آلاف المناقصات بقِيمة تقديريَّة تتجاوز مليارًا ونصف المليار ريال عُماني، فإنَّنا أمام دَوْرة اقتصاديَّة واسعة يُعاد من خلالها ضخ السيولة في السوق، وتتحرك معها شركات المقاولات والتوريدات والخدمات، وتنتعش سلاسل الإمداد، وتخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة تمتدُّ آثارها إلى قِطاعات مسانِدة عديدة. ويعكس هذا الحجم من الطرح ثقة في استقرار الماليَّة العامَّة وقدرة الدَّولة على التخطيط بعيد المدى، كما يعكس إدراكًا بأنَّ البنية الأساسيَّة أضحت أُصولًا إنتاجيَّة طويلة الأجل تُعزِّز تنافسيَّة الاقتصاد وتفتح المجال لاستثمارات خاصَّة لاحقة. وبهذا المعنى، فإنَّ المشروعات الإنمائيَّة تُمثِّل صمام أمان في مواجهة التقلُّبات العالميَّة، ورافعة توسّع حين تتوافر الظروف المواتية، لِتؤكِّدَ أنَّ إدارة التنمية اليوم تُقاس بقدرة المؤسَّسات على تحويل الخطط إلى أثَر اقتصادي ملموس يُعِيدُ تشكيل خريطة النُّمو بثبات واتِّساق.

يتقدم تمكين المحتوى المحلِّي والمؤسَّسات الصَّغيرة والمتوسِّطة إلى صدارة هذا الحراك التنموي؛ بوصفه الامتحان الحقيقي لفاعليَّة الدَّوْرة الاقتصاديَّة الجديدة، إذ لم يَعُدْ إشراك الشركات الوطنيَّة خيارًا تكميليًّا، ولكن أصبح جزءًا أصيلًا من معادلة التصميم الاقتصادي للمشروعات. فحين تتجاوز فرص هذه المؤسَّسات في المشروعات المعتمدة (90) مليون ريال عُماني، ويُضاف إليها أكثر من (203) ملايين ريال عُماني ضِمن المشروعات قَيْدَ الدراسة، فإنَّنا أمام مساحة تمكين حقيقيَّة تُعِيدُ رسم موقع الشركات الصغيرة داخل الاقتصاد الوطني.. فهذه الأرقام تعكس توجُّهًا عمليًّا نَحْوَ تعميق سلاسل الإمداد المحليَّة، ورفع نسبة المكوِّن الوطني في التنفيذ والتوريد، وتوسيع قاعدة الشركات القادرة على دخول منافسات أكبر حجمًا وأكثر تعقيدًا. كما أنَّ إدراج هذا الحجم من الفرص داخل منظومة تتجاوز قِيمتها الإجماليَّة (1.5) مليار ريال عُماني يمنح المؤسَّسات الوطنيَّة نافذة نُمو نوعيَّة، شرط أنْ تقترنَ بالجاهزيَّة الفنيَّة والماليَّة، والقدرة على تقديم عطاءات عالية الجودة، وإدارة عقودها بكفاءة زمنيَّة وتكلفة منضبطة، بما يُحوِّل الفرص المُعلَنة إلى أثَرٍ اقتصادي مستدام يدعم تنافسيَّة الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

لعلَّ التحوُّل الرَّقمي الَّذي تشهده منظومة المناقصات يُمثِّل أحَد أهمِّ التحوُّلات المؤسَّسيَّة في إدارة المشروعات الحكوميَّة خلال المرحلة الراهنة، إذ لم يَعُدِ الطرح والترسيَّة مجرَّد إجراءات إداريَّة تقليديَّة، وإنَّما أصبحا جزءًا من بيئة رقميَّة متكاملة تُعزِّز الشفافيَّة، وترفع كفاءة القرار؛ فحين نتحدث عن (10) آلاف مناقصة مخطَّط طرحها عَبْرَ (57) جهةً حكوميَّة، وعن مشروعات تتجاوز قِيمتها التقديريَّة (1.5) مليار ريال عُماني، فإنَّ إدارة هذا الحجم من البيانات والعمليَّات تتطلب بنية تقنيَّة قادرة على تسريع الإجراءات وضبطها في آنٍ واحد. ويأتي تدشين تطبيق منصَّة «إسناد» بوصفه أداة عمليَّة لتمكين الشركات من متابعة الطرح، والاطلاع المبكر على المشروعات المعتمدة الَّتي تتجاوز (475) مليون ريال عُماني، إضافةً إلى أكثر من مليار ريال عُماني لمشروعات قَيْدَ الدراسة، بما يمنح القِطاع الخاصَّ رؤيَّة استباقيَّة للتخطيط وإعداد العطاءات بكفاءة أعلى. كما أنَّ إعلان توزيع القِيَم التقديريَّة بحسب القِطاعات، حيثُ استحوذتْ مشروعات البنية الأساسيَّة على (58.29) بالمئة من القِيَم المعتمدة و(47.26) بالمئة من القِيَم قَيْدَ الدراسة، يعكس مستوى غير مسبوق من إتاحة البيانات، الأمر الَّذي يُعزِّز الحوكمة، ويحدُّ من فجوة المعلومات، ويرفع مستوى المنافسة العادلة، بما يُسهم في تسريع دَوْرة التنفيذ، وتحسين جودة المخرجات التنمويَّة.

إنَّ التوزيع القِطاعي والجغرافي للمناقصات يعكس خريطة أولويَّات تنمويَّة واضحة المعالم، تكشف عن توجُّه استراتيجي يضع البنية الأساسيَّة في قلب المرحلة المقبلة؛ فاستحواذ مقاولات الموانئ والطُّرق والجسور والسكك الحديديَّة والسدود والصيانة على (58.29) بالمئة من إجمالي القِيَم التقديريَّة المعتمدة، و(47.26) بالمئة من القِيَم قَيْدَ الدراسة، يؤكِّد أنَّ الاستثمار في البنية الأساسيَّة يُمثِّل القاعدة الَّتي يُبنى عليها أيُّ توسُّع اقتصادي لاحق. كما أنَّ تسجيل المقاولات العمرانيَّة والصيانة نسبة (27.75) بالمئة ضِمن المشروعات قَيْدَ الدراسة يُشير إلى توسُّع مرتقب في هذا القِطاع، بما يُعزِّز استدامة الأُصول القائمة ويرفع كفاءتها التشغيليَّة، وعلى المستوى الجغرافي، تصدَّرت محافظة مسقط بـ(413) مناقصة قَيْدَ الدراسة و(314) مناقصة معتمدة، تلتها محافظات جنوب الباطنة وشمال الباطنة وجنوب الشرقيَّة وظفار، وهو توزيع يعكس ثقل المركز الإداري والاقتصادي مع حضور واضح لبقيَّة المحافظات في خريطة الطرح، لذا فإنَّ هذا التنوع القِطاعي والجغرافي يترجم حجم الحراك، ويؤسِّس لتنمية أكثر اتساعًا، ترتبط فيها المشاريع بالاحتياجات الفعليَّة للمناطق، وتتحول فيها الأرقام إلى فرص نُمو متوازنة تُعزِّز التكامل بَيْنَ المحافظات وتدعم الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.