قبل سنوات دعاني أحد الأصدقاء إلى حفل تكريم بفضاء (المقام) الثقافي والفني في تاحناوت القريبة من مدينة مراكش المغربية، جاء الحفل تحت عنوان (حفل تكريم وتقدير الكاتب سعيد عاهد) وذلك بمناسبة صدور كتابه ( الجريمة والعقاب في مغرب القرن ال 16) وسط حضور العديد من الكتّاب والمثقفين وأساتذة الجامعات المغربية، لم ألتق بسعيد عاهد سابقاً وإن كنتُ قرأت له بعض المقالات، في نهاية الحفل عرّفني عليه أحد الأصدقاء، رحّب بي قائلاً : يوجد بيننا العديد من الأصدقاء المشتركين، وهنا يقصد العديد من الكتّاب العمانيين الذين درسوا وأقاموا في المغرب، عرضت عليه أن يكون ضيفي في تلك الليلة رفقة بعض الكتاب والمثقفين وهو ما حصل في ليلة سامَرَنا فيها الشعر والثقافة، ليتكرر اللقاء في مدينة الجديدة كلما زرت المغرب، وقبل أسابيع دعاني المطر الذي بدأ يهطل على المغرب بعد سنواتٍ عجاف الى سهرةٍ جميلة رفقة الشاعر الصديق أحمد الوهيبي، كنا نتحدث ونحن نستمع الى عزف المطر، فجأةً ينطق لأحمد .. سعيد عاهد .. سألته، ماذا به ؟ ليجيب : انتقل إلى رحمة الله. عادت بي الذاكرة الى اللقاءات التي جمعتني بالراحل سعيد عاهد في مدينة الجديدة المتجددة بالدفء ومياه شواطئ الأطلسي وهدوئها الجميل، كنا نلتقي رفقة الأصدقاء الشاعر والتشكيلي عبدالله بلعباس والمناضل عبد الواحد بنشريفة والصديق عبد الرحيم الحريري وينضم إلينا الإنسان النبيل عبد المجيد بلعباس، كلما أزور سعيد عاهد أراه مع إصدارٍ جديد وهو الذي توزّع إبداعه بين الشعر والبحث والترجمة التي من ضمنها (ذاكرة متشظية : نصوص مزدوجة اللسان مهداة الى الخطيبي)، الفتان: محكيات من سيرة الروكي بو حمارة، (قصة حب دكالية)، وفي الترجمة له «التبوريدة: فن الفروسية المغربي»، «رسائل إلى شاب مغربي»، «خياطو السلطان»، «كاتارسيس»، وهو كتاب من العربية الى الفرنسية، وأصدر الراحل عدة دواوين شعرية باللغة الفرنسية، حيث أنه يكتب باللغتين العربية والفرنسية بكل يسر، رغم عمله في جريدة الاتحاد الاشتراكي مشرفاً على رئاسة تحرير ملحقها الثقافي ألا أنه ظل مخلصاً للشعر والعمل الثقافي وفياً للإبداع مبتعداً عن التملّق والظهور الذي يركض وراءه وخلفه الكُثر من الشعراء والكُتّاب العرب . في ليلة ممطرة رحل العم سعيد، وهو الذي أمطر الثقافة العربية مطراً جميلاً لأكثر من خمسةٍ وعشرين عام، في تلك الليلة غُسِّل بالمطر، وكُفِّنَ بالغيوم، نمتُ في أحضان الدمعة، صباحاً فتحتُ الهاتف على الجرائد والمواقع المغربية لأقرأ بيانات النعي من كل الجمعيات والملتقيات الثقافية في المغرب مُشيدةً بمناقب الراحل ومقالات الرثاء من الكُتّاب والمثقفين المغاربة والتي تواصلت لأيامٍ عدة في دلالةٍ على ما قدّمه للثقافة المغربية والعمل الصحافي الثقافي منذ بدايات القرن الفائت. تميّزت شخصيته بالهدوء وبصمت العارف مُبتعداً عن تلك المشاكسات التي تحدث بين المثقفين مُفضلاً مشاكسة الشعر والترجمة والبحث، برحيله فَقَدَ المغرب أيقونة ثقافية جميلة، لكن العزاء يبقى في الكتب والدواوين التي نشرها الراحل، عن رحيله يقول صديق عمره الشاعر عبدالله لعباس «سعيد جعل من الثقافة روحاً له، لهذا لم تستهوه السياسة والثقافة بمعناها الضيق، وكان ينظر إلى ما حوله انطلاقاً من هذه الروح ولم يجد روحه حقيقةً إلا بعد تفرغه لمشاريعه الثقافية المتعددة شعراً ومحكيات وترجمات حفرية، الفعل الثقافي معه وعنده متعدد، بواسطته حاول أن يضيف لا أن يكرر، بل أنه كان ينبهنا إلى ما لا ننتبه إليه، الموت لم يُغيّب سعيد بل غيّبَ مشروعاً تأسس في صمت وكان ينمو دون صمت ولا ضجيج». سلام لروحك الجميلة سعيد عاهد، سلام للبسمة المرتسمة في قلبك، تعازيّ الحارة للثقافة والإبداع والشعر .
ناصر المنجي