ملتقى «معًا نتقدم»، من الملتقيات الوطنيَّة الرائعة الَّتي تجمع المواطن مع أعضاء السُّلطة التنفيذيَّة أو متَّخذي القرار؛ بهدف المشاركة السياسيَّة المُجتمعيَّة والتعرف على اتِّجاهات الرأي العام الوطني بِغَضِّ النظر عن شكل واتِّجاه المحاور الَّتي يرتكز عليها المؤتمر.
والمتتبع لمِثل هذا النوع من الملتقيات الوطنيَّة يجد أنَّه بذرة طيِّبة للتأهيل والتدريب السياسي لأبناء هذا الوطن الكريم، وكما هو معروف أنَّ المشاركة السياسيَّة هي البوَّابة الحقيقة للديموقراطيَّة وتمكين الدَّولة المعاصرة.
وفي تأكيد السياق السابق نشير إلى أنَّ المحاور الَّتي تمَّ مناقشتها كانت من اختيار المواطن نفسه والَّتي تمَّت من خلال المُشاركين في مرحلة التصويت الإلكتروني الَّتي جرت خلال شهر أكتوبر 2025، وهو ما يرسِّخ مفاهيم المشاركة السياسيَّة في رؤية «عُمان 2040».
من زاوية ثانية، نَعْلَم أنَّه حين يلتقي متَّخذو القرار، خصوصًا تلك القرارات الَّتي تدخل في صلب الحياة ومعيشة المواطن، ويتمُّ تمكين هذا الأخير من التعبير عن الرأي بكُلِّ صراحة وشفافيَّة تحت رقابة ورعاية عاهل البلاد ـ أعزَّه الله، فإنَّ ذلك يُمكِّن السُّلطة التنفيذيَّة من فَهْم اتِّجاهات الرأي العام حيال تلك القرارات الَّتي يتمُّ اتِّخاذها وقد لا يكُونُ لها قَبول مُجتمعي، أو أنَّ للمواطن بعض الملاحظات عليها، وبالتَّالي يُمكِن مراجعتها بما يتلاءم وإمكانات الحكومة ومتطلبات المواطن، الأمر الَّذي يُعزِّز من ثقة المواطن في الحكومة والمسؤول من جهة، ويساعد على أن يكُونَ القرار المُتَّخذ أقرب إلى الواقعيَّة منه إلى المثاليَّة أو المعيب من جهة أخرى.
والمتتبِّع لمحاور الملتقى يتأكد له تمكين الاتِّجاه السياسي الَّذي تسعى القيادة العُليا ـ ممثلة بعاهل البلاد حفظه الله ورعاه ـ من التأكيد والعمل عليه بما يُحقق فعاليَّة الإدارة (السُّلطة التنفيذيَّة) في بناء الاستراتيجيَّات والمرئيَّات الوطنيَّة في الدَّولة الوطنيَّة المعاصرة.. ومن بَيْنِ تلك المحاور المحور الاقتصادي والَّذي أصبح اليوم العربة الرئيسة الَّتي يجرها حصان السياسة في محيط مضطرب ومقلق في بيئة دوليَّة أمنيَّة شديدة التعقيد والتسارع.
ولا بُدَّ من الإشارة إلى أنَّ المحور الاقتصادي أخذ من المؤتمر الحظ الأوفر، ما يدلُّ على تأثير الواقع الاقتصادي في اتِّجاهات الرأي العام الوطني، مع ضرورة التأكيد على أهميَّة التوسُّع في محاور المؤتمر خلال المؤتمرات المقبلة، وعلى رأس تلك المحاور الَّتي يَجِبُ التركيز عليها هو المحور السياسي الَّذي أتصور أنَّ تدعيم المشاركة السياسيَّة، وتوسيع مشاركة المواطن في اتِّخاذ القرارات الوطنيَّة عَبْرَ وسائل وأدوات التمكين الرسميَّة سيكُونُ من المحاور العمليَّة والواقعيَّة الَّتي نحتاجها خلال العقود القادمة.
ختامًا ـ وكما قلتُ في كِتاب الإصلاح السياسي وبناء الدَّولة المعاصرة ـ إنَّ «الإصلاح الإداري ـ مُهِمَّة سياسيَّة، أو يقعُ في قلبِ السِّياسة، ويبدأ من الأعلى، أيّ منظومة القيادة السَّياسيَّة، فإنَّ إصلاح الاقتصاد أو الإدارة الاقتصاديَّة يبدأ بإصلاحات في السِّياسة أو المنظومة السِّياسيَّة، فإدارة اقتصاد أيِّ دَولةٍ هو عملٌ إداري؛ أي يبدأ بإصلاحٍ في الإدارة السِّياسيَّة، أي الفِكر السِّياسي أو منظومة التَّفكير القائم على القيادات السِّياسيَّة العُليا الَّتي تمَّ اختيارها لإدارة الاقتصاد. فممَّا لا شَكَّ فيه أبدًا أنَّ «العلاقة وثيقة ومرتبطة ومستمرَّة بَيْنَ الاقتصاد والسِّياسة وأنَّهما وجهانِ لعملةٍ واحدة فهما لا ينفصلانِ أبدًا، بالتَّالي من الضَّروري المواءمة بَيْنَ الجانب السِّياسي والاقتصادي في الحلول والتَّوَجُّهات والقرارات الَّتي تُطرح».
حفظ الله عُمان الوطن والقيادة والشَّعب، ومكَّن لعاهل البلاد حفظه الله ورعاه البطانة الصالحة الَّتي تُعِينه على خدمة دِينه ووطنه، حفظ الله عُمان الغالية من شر الكائد الفاسد الحاسد الفاسد، اللَّهُمَّ آمين.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @