الاثنين 16 فبراير 2026 م - 28 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : القِيَم أهم من الإجراءات

نبض المجتمع : القِيَم أهم من الإجراءات
الأحد - 15 فبراير 2026 06:55 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني

20


قَبل فترة قصيرة شاهدتُ فيديو يتحدث عن قيام سائق حافلة في بريطانيا بعمليَّة إنقاذ لامرأة كانت مستقلَّة الحافلة الَّتي يَقُودها، وتعرَّضتْ للسرقة من قِبل لصٍّ هجم عليها أثناء توقُّف الحافلة في إحدى محطاتها، وسرق هاتفها ولاذ بالفرار، فما كان من سائق الحافلة إلَّا أنَّ أوقف الحافلة ولحقَ باللِّص وضربه واستردَّ الهاتف المسروق. وعِندَما وصلتِ الشُّرطة واتَّجهت القضيَّة للمحكمة صدر الحُكم بحبس السائق وفصله من عمله لمخالفته الإجراءات المتَّبعة رغم أنَّه تصرَّف وفْقَ قِيَم إنسانيَّة بحتة، وطالبت العديد من المنصَّات الإعلاميَّة بضرورة إعادة هذا السائق إلى عمله وتكريمه وليس العكس ولا مجيب؟

من خلال هذه القصَّة البسيطة الَّتي حدَثتْ وتحدُث يوميًّا في العديد من الدول يدعونا الأمر للتفكر في كيفيَّة معالجة مثل هذه القضايا بما يُسمَّى بروح القانون، وليس بالإجراءات الَّتي لا نختلف على أنَّها مهمَّة لِيأخذَ القانون مجراه والعدالة طريقها. ولكنَّ هنالك قِيَمًا إنسانيَّة يَجِبُ أن لا تندثرَ لمجرَّد أنَّنا نريد تطبيق الإجراءات بحذافيرها، فلو كُلُّ واحد منَّا شاهد موقفًا يتطلب تدخلًا لإنقاذ إنسان أو حيوان، وبدأ يفكر بأنَّ الأمر في النهاية سينقلب ضدَّه لَما كان للخير من وجود في مُجتمعاتنا الإنسانيَّة، وبالتَّالي يَجِبُ أن توضع بعض الجوانب في موضعها الصحيح، فلا يُمكِن اختزال هذه القِيَم الإنسانيَّة في مجرَّد إجراءات قانونيَّة جوفاء.

وفي السياق نفسه، يصرُّ البرنامج الخاص بالأمن في إحدى الدول الخليجيَّة على أن يحرمَ الأب من سُلطته الأبويَّة بمنعه من تنزيل البطاقة الشخصيَّة أو جواز السَّفر أو حتَّى شهادة الميلاد من خلال هذا التطبيق لمجرَّد أنَّ الابن أو الابنة قد بلغ سن الثامنة عشرة من عمره، في تطبيق ناجح من وجهة نظرهم لإجراءات وقوانين المنظَّمات الدوليَّة الَّتي تُعطي للطفل كامل حقوقه لمجرَّد بلوغه هذه السِّن، دُونَ التمحيص والتدقيق والدراسة لوضع هذه الدول، ووضع أبنائا بعد تطبيق هذا القانون، ولا داعي لكثرة التقصِّي فيكفي أن تزورَ هذه الدول وتذهب للأماكن العامَّة لِتدركَ حجم المشاكل الناتجة عن تطبيق هذه الإجراءات الَّتي يراد لها أن تنقل إلى مُجتمعاتنا الإسلاميَّة وما يجرُّه كُلُّ ذلك من مشاكل لا حصر لها، ليس أقلّها فقدان هيبة الأب والأُمِّ؛ وبالتَّالي تفكُّك الأُسرة وما يعقبها من نتائج سلبيَّة تؤدي في النهاية لتفكُّك المُجتمع، والأمر ليس محصورًا فقط في مجرَّد الحصول على صورة للبطاقة الشخصيَّة أو الجواز، بل هي سلسلة متوالية لا تنقطع لمجرَّد الحصول على وثيقة فقط، بل إنَّ الأمر وصل إلى عدم القدرة على توجيه الأبناء والحفاظ عليهم، حيثُ نعلم يقينًا أنَّ الأبناء والبنات يتعرضون لسيلٍ جارف، خصوصًا في هذا الزمن من شبكات التواصل الاجتماعي الَّتي تبثُّ سمومها ليل نهار غير آبهة بما تُحدِثه من انهيار أخلاقي؛ فالمُهمُّ هو جنيُ المال والأرباح دُونَ مراعاة للقِيَم. وبِغَضِّ النظر عن أيِّ دِين، فنحن هنا لا نتحدث عن قِيَم إسلاميَّة فقط، بل قِيَم إنسانيَّة في الأساس تصلح لجميع المُجتمعات العالميَّة دُونَ استثناء. فالعالم لم يَعُدْ قرية واحدة، بل غرفة واحدة إذا جاز لنا التعبير؛ وبالتَّالي فالأبناء غير مدركين في الأساس لِما ينتظرهم من عواقب سلبيَّة نتيجة انجرافهم وراء هذه الشبكات الإلكترونيَّة وفي مختلف المجالات، ولا سبيل للحلِّ إلَّا بوجود أُسرة متماسكة يَقُودها أبٌ وأُمُّ يدركون ماهيَّة التربية وماهيَّة تعديل مسار الأبناء متى ما حادوا عن جادَّة الصواب؛ نتيجةً لِحُبهم الفطري لهم لأنَّهم في النهاية امتداد لهم ولعائلتهم. لكن أن نجردَ ربَّان السفينة من جميع صلاحيَّاته لِمجرَّد الحفاظ على خصوصيَّة الأبناء فهذا انتحار أخلاقي بامتياز، والغرب الَّذي سبقنا خير مثال على ذلك.

إنَّ التركيز على الإجراءات مقابل القِيَم في أيِّ مجال هو في النهاية تركيز على القشور وترك اللّب، تركيز على جوانب ظاهريَّة شكليَّة وترك الجوهر الَّذي يَجِبُ أن يتمَّ التركيز عليه في الأساس. فماذا استفاد الابن أو الابنة من مجرَّد أن يمارسَ ما يريد دُونَ حسيب أو رقيب، دُونَ وجود أبٍ أو أُمٍّ يساعده ويدعمه ويقف إلى جانبه ويبصره بما سيؤول حاله إذا اتَّبع هذا الطريق؟ وماذا ينتظره من خير إذا اتَّبع ذلك الطريق؟ ولا يوجد أبٌ مهما وُجدت استثناءات لن يكُونَ رحيمًا بأبنائه حتَّى أكثر من أنْفسهم، دعوة صادقة لمراجعة بعض الإجراءات الَّتي لا تصلح أصلًا لمُجتمعنا الإسلامي، بل والإنساني وتعديلها حتَّى لا يقع الفأس على الرأس، ولنا في الآخرين عِبْرَة.

د. خصيب بن عبدالله القريني 

[email protected]