الاثنين 16 فبراير 2026 م - 28 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : دور الحوافز الاستثمارية فـي جذب رأس المال

الأحد - 15 فبراير 2026 03:48 م

رأي الوطن

30


تُعِيدُ الحوافز الاستثماريَّة تشكيل خريطة القرار الاقتصادي العالمي، حيثُ تضع نفْسها في قلب المنافسة الإقليميَّة على رأس المال الصناعي، حيثُ لم يَعُدِ المستثمر يبحث عن أرض صناعيَّة أو مجرَّد إعفاء ضريبي، وإنَّما يفتش عن منظومة متكاملة تقلِّل المخاطر وتختصر الزمن، وتُعزِّز الربحيَّة المستدامة. وكما معروف أنَّ رؤوس الأموال تتحرك بسرعة غير مسبوقة، وتُفاضل بَيْنَ دول تتسابق على تقديم بيئات أكثر استقرارًا ووضوحًا، ما يجعل الحافز أداةً استراتيجيَّة لإدارة تدفُّق الاستثمار، تعكس فَهْم الدَّولة لطبيعة المرحلة وتعقيداتها. ويأتي طرح فرص الصناعات التحويليَّة عَبْرَ منصَّة «استثمر في عُمان» لِيُعَبِّرَ عن انتقال من منطق الترويج إلى منطق التأطير، حيثُ تعرض مشاريع مدروسة، واضحة البيانات، قابلة للتنفيذ، ومسنودة ببيئة تنظيميَّة تدعم سرعة التأسيس والتشغيل، وتتجاوز الرسالة هنا فكرة الإعلان عن مشروعات متاحة، لِتؤكِّدَ أنَّ القرار الاستثماري يجد أمامه شريكًا مؤسَّسيًّا يدرك أنَّ الحوافز استثمار في بناء قاعدة إنتاجيَّة تعمِّق المحتوى المحلِّي وترفع القِيمة المضافة، وتجعل رأس المال يختار البقاء والنُّمو داخل الاقتصاد الوطني بثقة واستدامة.

تتضاعف أهميَّة الحوافز عِندَ الانتقال إلى قِطاع الصناعات التحويليَّة؛ نظرًا لطبيعته الرأسماليَّة الثقيلة، وطول دَوْرة استرداد رأس المال، حيثُ تشابك سلاسل الإمداد الَّتي يتطلبها؛ فالمشروعات الصناعيَّة الَّتي تتراوح قِيَمها بَيْنَ (2.4) مليون دولار وتصل إلى أكثر من (90) مليون دولار تُبنَى على حسابات دقيقة توازن بَيْنَ تكلفة الأرض والطاقة والتمويل، وسهولة النفاذ إلى الأسواق. وفي هذا السياق، تصبح الحوافز عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل الجدوى الاقتصاديَّة للمشروع؛ إذ ينعكس كُلُّ تخفيض في كلفة التشغيل أو تسريع في الإجراءات على معدَّل العائد الداخلي، وعلى قدرة المصنع على التموضع داخل سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة. ومن هذا المنطلَق تتجاوز الحوافز دَوْرها التقليدي كأداة جذب، لِتصبحَ محددًا استراتيجيًّا لموقع الصناعة العُمانيَّة في خريطة الإنتاج والتصدير، خصوصًا عِندَما ترتبط بقِطاعات ذات أولويَّة مثل الصناعات المعدنيَّة، ومواد البناء، والصناعات الكهربائيَّة، بما يُعزِّز عُمق القاعدة الصناعيَّة، ويرسِّخ انتقال الاقتصاد من تصدير المواد الأوَّليَّة إلى تصنيعها وتصديرها بقِيمة مضافة أعلى.

وتتحول الحوافز إلى مستوى أكثر عمقًا عِندَما ترتبط برؤية قِطاعيَّة واضحة، حيثُ لا يقتصر دَوْرها على تحفيز الاستثمار بصفة عامَّة، وإنَّما توجّهه نَحْوَ قِطاعات قادرة على إحداث أثَر هيكلي في الاقتصاد الوطني؛ ذلك أنَّ اختيار مجالات مثل الصناعات المعدنيَّة، والأجهزة الكهربائيَّة، ومواد البناء، إلى جانب مشروعات الاقتصاد الدائري كإنتاج ألياف البوليستر من زجاجات البلاستيك، يعكس توجُّهًا واعيًا نَحْوَ بناء صناعات ترفع القِيمة المضافة وتدعم الاستدامة البيئيَّة في آنٍ واحد. فهذا التَّوجيه يُعَبِّر عن صياغة سياسة صناعيَّة متكاملة تُعِيدُ رسم ملامح القاعدة الإنتاجيَّة، وتربط الحافز بالأثر المتوقع على التشغيل، ونقل المعرفة، وتعميق المحتوى المحلِّي.. وبهذا المعنى، تصبح الحوافز أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد، حيثُ يتمُّ توجيه رأس المال نَحْوَ القِطاعات الَّتي تمتلك قابليَّة النُّمو طويل الأمد، وتُحقق تكاملًا بَيْنَ المحافظات، وتُعزِّز قدرة سلطنة عُمان على المنافسة داخل سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة، كما أنَّ إدراج مشروعات ذات بُعد بيئي مثل إنتاج ألياف البوليستر من زجاجات البلاستيك يعكس توجُّهًا نوعيًّا نَحْوَ صناعات تُحقق قِيمة مضافة وتدعم الاقتصاد الدائري، ما يعني أنَّ الحوافز توجَّه نَحْوَ قِطاعات محدَّدة ذات أولويَّة وطنيَّة، لِتتحولَ الأرقام من بيانات إحصائيَّة إلى مؤشِّرات على سياسة صناعيَّة واعية، تستخدم الحافز كأداة هندسة اقتصاديَّة لإعادة تشكيل القاعدة الإنتاجيَّة وتعميق المحتوى المحلِّي، وتعزيز القدرة التصديريَّة على المدى الطويل.

إنَّ فاعليَّة الحوافز الاستثماريَّة تكتمل حين تقترن بجاهزيَّة مؤسَّسيَّة تختصر زمن القرار وتخفض درجة عدم اليقين، فالمستثمر ينظر إلى الإعفاءات، كما يُقيِّم سرعة الحصول على التراخيص، ووضوح البيانات الفنيَّة، وتكامل الجهات المعنيَّة في مسار واحد يَضْمن سلاسة الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ.. ومن هنا تبرز أهميَّة المنصَّات الرقميَّة المتخصِّصة الَّتي تتيح تفاصيل دقيقة حَوْلَ القِيَم الاستثماريَّة، ونماذج التشغيل، والمواقع الصناعيَّة، بما يحوِّل الفرصة من تصوُّر عام إلى مشروع قابل للانطلاق الفوري، فإنَّ تقليل زمن اتِّخاذ القرار يُمثِّل اليوم أحد أهم عناصر التنافس بَيْنَ الاقتصادات؛ لأنَّ رأس المال يميل إلى البيئات الَّتي توفِّر وضوحًا واستقرارًا وإجراءات منسجمة.. وفي سياق رؤية «عُمان 2040»، لا تُقرأ الحوافز كأداة آنيَّة لزيادة عدد المشاريع، وإنَّما كجزء من منظومة متكاملة تهدف إلى تعميق المحتوى المحلِّي، وتعزيز الصادرات غير النفطيَّة، وربط الاقتصاد الوطني بسلاسل القِيمة العالميَّة، بحيثُ يصبح جذب الاستثمار نتيجة طبيعيَّة لمسار اقتصادي منظَّم، ويغدو القرار الاستثماري انعكاسًا لثقة متراكمة في بيئة عمل قادرة على تحويل الفرص إلى أثَر مستدام طويل الأمد.