قصص ومواقف، صوَر ومشاهد، ملاحظات وتجارب، تنقلها انطباعات المواطنين ووجهات نظرهم وإحباطاتهم عن الأداء بشكلٍ عام في مؤسَّساتنا، تأخذ الحيِّز الأكبر من المشاركات والنقاشات والشكاوى في وسائل التواصل والإعلامين الإلكتروني والتقليدي... الازدواجيَّة في إمضاء وإقرار وإنهاء المعاملات، يشوبها اللَّبس والغموض، وأسئلة معلَّقة عن الأسباب الَّتي تمَّت فيها الموافقة على طلب ما، ومنعها عن الآخر مع تشابُه وتطابُق خلفيَّات ومسبِّبات ودوافع وطبيعة الطلبَيْن؟ التعقيدات والتأخير والدَّوران بَيْنَ الدوائر والمؤسَّسات، درجة شعور المراجع بالعجز والضغط النفْسي والإذلال، واستمعتُ إلى عددٍ من الأصدقاء أنَّهم فضَّلوا التنازل عن حقوق والتفريط في امتيازات تجنبًا للمراجعات وتعقيداتها والتعامل الفظِّ مع بعض الموظفين والفترات الزمنيَّة الَّتي تستغرقها قَبل البتِّ فيها مع ما تحتاجه من مراجعات وتفرُّغ! مشاريع عامَّة متأخرة أو متعثرة، شوارع متشققة وحُفر عميقة تتخللها، أعمدة إنارة لا تكاد تضيء في شارع وحارة ما، لأيَّام محدودة حتَّى تنطفئ من جديد، أدوية مهمَّة للغاية تُصرف لمرضى القلب والسكري والضغط وغيرها، غير موجودة أحيانًا في صيدليَّات المستشفيات والمراكز الصحيَّة الحكوميَّة، ولا معلومات عن الوقت الَّذي سوف تتوافر فيه، فيصبح المريض بَيْنَ خيار شرائها من الصيدليَّة التجاريَّة بثمنٍ باهظٍ وعلى حساب متطلبات أساسيَّة، أو تجاهل مخاطر ومضاعفات مَرضه إلى أن تتوافر مجانًا، مواعيد طبيَّة تتأخر لأشْهُر أو أكثر لمريض يتألم ويشعر بالقلق والخوف أو يحمل مرضًا خطيرًا قد يؤدي إلى موته، مسلسل فواتير الكهرباء والماء والاتصالات ومشاكلها الَّتي تتراكم وأسعارها الَّتي تنمو دُونَ حلٍّ أو معالجة، ودوَّامة المراجعات والانقطاعات في حلقات مفرغة لا تنتهي إلى شيء، تجذُّر وشيوع مظاهر المحسوبيَّة والوساطات والمصالح الشخصيَّة وبيئات العمل الَّتي تنفر وتكره الموظف في المؤسَّسة، رداءة بعض الخدمات، ولا مبالاة الكثير من الموظفين والمسؤولين عن إنجازات معاملات المواطنين، افتقاد الحسِّ بالمسؤوليَّة، سياسات التعليم ـ التوظيف ـ التسريح ـ آليَّات تطبيق القوانين وما يصاحبها من لبس، والفشل في إقناع المواطنين، وبث الطمأنينة في نفوسهم والإجابة عن تساؤلاتهم... وقانون «الحماية الاجتماعيَّة»، مثالًا، وغير ذلك ممَّا يطرح عن المشهد المحلِّي في عمومه وملفَّاته المتخمة بالكثير من الإشكالات والقضايا والمواضيع، والمرتبطة معظمها بتقييم الأداء ودَوْر المسؤولين في معالجة تلك المشاكل والهموم، الَّذي يراه الكثيرون ضعيفًا وبعيدًا عن تطلُّعات المواطنين، وأهداف الخطط والبرامج والرؤى المقرَّة والمعتمدة. فهل كُلُّ ما يُطرح صحيح وواقعي ويُعبِّر عن ضعف في الأداء وتهاون من قِبل المسؤولين في مؤسَّساتنا؟ أم أنَّ ذلك الطرح والآراء والملاحظات مضخمة ولا تعكس الواقع؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل لدَيْنا آليَّات دقيقة وصارمة وضابطة لتقييم الأداء، ومحاسبة المسؤولين على إخفاقات وأخطاء وفساد وبطء في العمل تدخل ضِمن اختصاصاتهم ومهامهم؟ ولماذا لا يُمكَّن مجلس الشورى «السُّلطة التشريعيَّة والرقابيَّة»، «البرلمان»، الَّذي يُمثِّل المُجتمع في إطار «الشراكة المُجتمعيَّة» كهدف ومبدأ مقرَّين في النظام الأساسي والرؤى والخطط الوطنيَّة، من تفعيل أداة «الاستجواب» الَّتي أقرَّها كذلك النظام الأساسي، في أجواء تستند إلى الشفافيَّة والوضوح والمصارحة واليقين، وكشف الحقائق، وتعميق الثقة، وسد أبواب الشَّك واللَّغط؟ ألا يحقُّ للمواطن «هدف التنمية ومرتكزها والمستهدف من تطويرها وتجويدها وتمويلها»، والمناط به الدَّوْر الأكبر ـ أي المواطن ـ في الإسهام في التقدم والرقابة وكشف الفساد، بعد أن بلغ مستويات عالية من التعليم والوعي، وبعد فرض عدد من الضرائب والرسوم ورفع الدَّعم عن معظم الخدمات... بأن يشعر بالاطمئنان ويلمس على أرض الواقع حقيقة أنَّه مشارك فعلًا في القرارات الَّتي تتعلق بمصالحه وحقوقه وتمسُّ حياته، في التشريع والرقابة والمحاسبة والمساءلة، وأنَّ المسؤول الموكل إليه الأمانة وحفظ وصيانة وتنمية واستثمار المال العام، وتطبيق وتنفيذ القوانين والرؤى والخطط الَّتي تسعى إلى تحقيق تطلُّعات المُجتمعات وتجويد الأداء والخدمات والبنى الأساسيَّة وتعزيز التنمية وتطويرها... موضوع تحت المجهر يخضع للتقييم والمحاسبة...؟ فهل الوزراء يمتلكون سُلطة التغيير، ولدَيْهم المواهب والخبرات والقدرات والرؤية والكفاءة العالية للإسهام في التطوير ورفع كفاءة الأداء؟ وهل يتمُّ اختيارهم على هذه الشروط؟ هل المُشْكلة في الأشخاص؟ أم في الهيكلة والنُّظم والقوانين والثقافة السائدة، أي المنظومة بنمطها العام؟ لماذا تمكَّن قلَّة من الوزراء من إحداث تحوُّلات إيجابيَّة في المؤسَّسات الَّتي تولوا الإشراف عليها، حققت بعض الرضا المُجتمعي وإشادات بهؤلاء الوزراء؟ هل كان العائق ماثلًا في طبيعة العمل واختصاصات الوزارات وارتباطاتها بقضايا المواطنين وتشابكاتها مع جهات أخرى، ومصالح نافذين ورجال أعمال، فيما كانت الطريق ممهدةً للتطوير والإصلاح في الأخرى؟ تظهر مؤشِّرات وقراءات تقدّم رؤية أكثر جلاء يُمكِن الاستناد إليها في استخلاص إجابة أقرب إلى الواقع، ترجِّح كفَّة توافر الكفاءة وقوَّة الشخصيَّة والإخلاص والأمانة في العمل والإرادة الصلبة الموظفة والمستثمرة في خدمة الوطن والمواطن لِنشهدَ تقدُّمًا حقيقيًّا ملموسًا وواضحًا... الدليل على ذلك ـ كما أشارت إليه التساؤلات السابقة ـ أنَّ بعض الوزراء تمكَّنوا من إحداث نقلة ملموسة تطويرًا وتحسينًا وتجويدًا وإصلاحًا في فترة قصيرة جدًّا من تقلُّدهم للمسؤوليَّة، وأقرانهم يجلسون منذ سنوات طويلة على كرسي الوزارة وما زالوا «محلَّك سِر»، يدورون في ذات الدائرة المغلقة، تصريحات وقرارات وتكرار للأخطاء وبطء شديد في الإنجاز، يتندر المواطنون في وسائل التواصل بوعودهم وتطميناتهم الَّتي ملّوا منها وسمعوها مرَّات كثيرة عَبْرَ سنواتهم في الوظيفة دُونَ أن يطبقَ منها شيء، ومن الجانب الآخر ما زلتُ أذكُر أنَّني تفاءلتُ عندما تمَّ تقليد وزير جديد لإحدى المؤسَّسات الحكوميَّة وتأملتُ منه الخير، ولم تمضِ بضعة أشْهُر حتَّى أصدرَ قرارًا ملزمًا للمسؤولين في الوزارة بتسهيل طلبات محكمة القضاء الإداري، وتسليمهم جميع الملفات والأوراق والمعلومات الَّتي يطلبونها، وتطبيق الأحكام وتنفيذها مباشرة، وتوالت قراراته وإصلاحاته المبشرة، الميسرة على المواطنين والمعززة لقِيَم الشفافيَّة والوضوح، كتقليص فترات المواعيد، وزيادة ساعات الدوام، وقيامه المباشر بالمتابعة والإشراف ولقاء العاملين والمراجعين والاستماع إلى مشاكلهم... وكان لذلك الجهد أثره الإيجابي الكبير على أداء الوزارة... تقتضي حساسيَّة المرحلة ومصلحة الوطن ومبدأ الشراكة الَّتي عبَّرت عنها وأقرَّتها رؤية «عُمان 2040»، وضمان تحقيق تطلُّعات المواطن، وتعميق الثقة بَيْنَ المُجتمع والأداء الحكومي، العمل على تقييم أداء الوزراء بناء على مؤشِّرات وأُسُس واضحة ودقيقة، موضوعيَّة وأمينة، تنتهي بقرارات تفصح عن أهميَّة هذا التقييم ودَوْره في التغيير والتطوير، فلا يقتصر التقييم على صغار الموظفين ومَن في حُكمهم فقط...
سعود بن علي الحارثي