كشف الادعاء العام في مؤتمره السنوي، المنعقد في الثاني من فبراير 2026 بشعار «الشعور بعدالة الإجراء»، عن جملة من المؤشِّرات والإحصاءات المتعلقة بالقضايا الجرميَّة المسجَّلة خلال عام 2025، والَّتي أظهرت ارتفاعًا لافتًا في مختلف أنواع الجرائم، خصوصًا الجرائم المرتبطة بالقوانين والجرائم الواقعة على الأموال، بما يعكس تحوُّلات عميقة في نوع الجرائم ويستدعي مراجعة معمقة تتجاوز الأرقام إلى دلالاتها الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة. فمن حيثُ مستوى تصنيف الجرائم، تصدرت الجرائم المرتبطة بقانون العمل قائمة الجرائم الأكثر تسجيلًا بـ(22,309) قضيَّة وبنسبة (25.7%)، تلتها جرائم الشيكات (10,482) بنسبة (12.1%)، ثم جرائم قانون إقامة الأجانب (9,493) بنسبة (10.9%)، وجرائم الاحتيال (6,765) بنسبة (7.8%)، وجرائم السرقة وابتزاز الأموال (4.166) بنسبة (4.8%)، وجرائم قانون المخدّرات والمؤثِّرات العقليَّة (4.131) بنسبة (4.8%)، والجرائم الماسَّة بحُريَّة الإنسان وكرامته (4.048) وبنسبة (4.7%)، ثم جرائم تقنيَّة المعلومات والمعاملات الإلكترونيَّة (3.834) وبنسبة (4.4%)، وجرائم قانون المرور (3.723) بنسبة (4.3%)، وأخيرًا جرائم قانون حماية المستهلك (3.689) بنسبة (4.2%).
وكشف الادعاء العام كذلك عن ارتفاع عدد الجرائم الواقعة على الأطفال في عام 2025، حيثُ وصل عدد قضايا التحرش بالطفل جنسيًّا (1246) جريمة، ناهيك عن القضايا الأخرى المرتبطة بالأطفال، ومنها: ممارسة أيِّ شكلٍ من أشكال العنف على الطفل (1212) جريمة، واغتصاب طفل (106) جرائم. وفي المقابل تشكِّل ظاهرة الطلاق وارتفاع معدَّلاتها تحدِّيًا خطيرًا على الاستقرار الأُسري والعائلي، حيثُ بلغت شهادات الطلاق المسجَّلة لعام 2024 (4,122)، بالإضافة إلى تحدِّيات اجتماعيَّة أخرى مثل: تغييب دَوْر الوالديَّة، وضعف التنشئة الأُسريَّة، وتصدُّع العلاقات الزوجيَّة، إضافةً إلى تراجع دَوْر الضبط المُجتمعي الَّذي شكَّل على عهد قريب أحد أهم عناصر التَّماسُك الاجتماعي في المُجتمع العُماني. ويضاف إلى ذلك اتِّساع تأثير الوسائل الخارجيَّة على الأُسرة وتربية الأبناء، مثل الألعاب الإلكترونيَّة والمنصَّات الرقميَّة الَّتي غيَّرت مفهوم المرجعيَّة الأُسريَّة والمسؤوليَّة والحُريَّة المنضبطة، كما أسهمتِ الثقافة الاستهلاكيَّة وتمجيد ثقافة الصورة والمظاهر في تعزيز القِيَم السطحيَّة الماديَّة لدى بعض فئات المُجتمع، الأمر الَّذي انعكس على منظومة جوهر القِيَم والمبادئ العُمانيَّة والنظام الاجتماعي العام.
عليه، تقف هذه المؤشِّرات على جملة من الدلالات الَّتي تبرز خطورة استمرار هذه الظواهر على حياة المواطن واستقراره وهُوِيَّته وقِيَمه. كما تبرز في الوقت نفسه مخاطرها على أمن المُجتمع، إذ إنَّ هذه الظواهر لم تَعُدْ مجرَّد حالات فرديَّة أو طارئة، بل اتَّخذت شكل أنماط اجتماعيَّة منتشرة قد تؤدِّي مع استمراريَّتها وتراكمها إلى خلق فجوة في البناء المُجتمعي، ناهيك عن تداعياتها الاقتصاديَّة والفكريَّة والأخلاقيَّة المقلقة، إضافة إلى الهدر في الموارد والثروات البشريَّة، كما تستهلك جزءًا كبيرًا من جهود الدَّولة الَّتي يفترض أن تتوجَّهَ نَحْوَ أولويَّات تنمويَّة أخرى مثل توظيف الباحثين عن عمل ومعالجة قضايا تسريح العُمانيين في القِطاع الخاص.
وبالتَّالي تبرز الحاجة إلى رفع مستوى التنسيق وتعزيز الشراكة المؤسَّسيَّة والمُجتمعيَّة بَيْنَ منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها والمُجتمع في رصد الظواهر ودراستها وتحليلها والوقوف على أسبابها ومسبِّباتها، من خلال تطوير أدوات الرصد والقياس، واعتماد دراسات علميَّة معمّقة تُسهم في إنتاج حلول مستدامة. ويشمل ذلك تشخيص المتغيِّرات والعوامل المرتبطة بهذه الظواهر المُجتمعيَّة السلبيَّة وتصنيفها وتقدير مخاطرها ومستوى انتشارها، وقياس الظروف المنتجة لها، وتحديد أولويَّات التعامل معها، مع الاستعانة بالخبرات الوطنيَّة والدوليَّة، وحشد جهود القِطاعات التعليميَّة والبحثيَّة والاستراتيجيَّة والاستشرافيَّة، وتمكين المؤسَّسات الأمنيَّة والتشريعيَّة ومراكز البحوث الاجتماعيَّة والإنسانيَّة من أداء دَوْر أكثر فاعليَّة في معالجتها وفْقَ منهجيَّات عمل رصينة ومؤشِّرات أداء قابلة للقياس، ومسارات دقيقة للتشخيص والتقييم، وخططًا زمنيَّة واضحة تحدِّد المسؤوليَّات والمهام وتَضْمن المتابعة المستمرة، إلى جانب إيجاد بيئة قِيَميَّة واجتماعيَّة فاعلة تُعزِّز الاستفادة من القِيَم العُمانيَّة والثقافة المُجتمعيَّة المتوارثة.
إنَّ تعظيم هذا الدَّوْر يأتي استلهامًا من عاطر النطق السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم وتوجيهاته وأوامره السَّامية في أكثر من موضع بدراسة الظواهر الاجتماعيَّة لِتشكِّلَ نقطة تحوُّلًا وانطلاقةً مهمَّة لبناء مسار وطني واضح في التعامل مع هذه الظواهر، وتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة التفكير في مسار العمل الاجتماعي، وبناء منهجيَّات أكثر جديَّة، ونماذج عمل أكثر ابتكارًا ومهنيَّة، تتناغم مع عُمق التحوُّلات الاجتماعيَّة الَّتي يُشهدها الواقع المعاصر، وإنتاج ثقافة مُجتمعيَّة قادرة على التمييز بَيْنَ الظواهر الإيجابيَّة والسلبيَّة وعلى التعامل الواعي معها، إضافةً إلى حاجة المُجتمع لإعادة هندسة السلوك الاجتماعي بما يساعد على مواجهة الظواهر السلبيَّة ويُعزِّز مناعة الفرد والأُسرة.
وعليه، فإنَّ الوقوف على هذه المعطيات مدخل للتأكيد على ركيزتين أساسيتين هما كالآتي:
أولًا: إعادة الهيبة لِدَوْر الأُسرة والتربية الوالديَّة والأُسريَّة.
تُمثِّل الأُسرة العُمانيَّة ركيزة المُجتمع، وهي خط الدفاع الأول في مواجهة التحوُّلات الاجتماعيَّة السلبيَّة، وبالتَّالي إعادة الهيبة للأُسرة العُمانيَّة، وتأكيد منهج التوازن في هيكليَّة بنائها والتجديد فيها بما يحفظ لها هُوِيَّتها العُمانيَّة وما تنعم به من روح التسامح والتناغم والمشتركات الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والسلوكيَّة، وتقاسم المسؤوليَّات والَّتي هي انعكاسًا لقِيَم الإسلام العظيمة، وتوظيف المفاهيم والمفردات المرتبطة بالطموح والاحتياج والاستقلاليَّة والحُريَّة والصلاحيَّات والتمكين والثقة والاحترام والمودَّة والرَّحمة والخيريَّة والقول الحَسن كمنطلقات لاستمراريَّة نجاح الأُسرة وقدرتها على التكيُّف مع الواقع المتجدِّد ومساهمتها في إنتاج ثقافة مُجتمعيَّة قادرة على الاستدامة والصمود في مواجهة المتغيِّرات المقلقة، وبالتَّالي الحاجة إلى المزيد من الوعي بهذا الدَّوْر والمسؤوليَّة، واستشعار ما تَقُوم به في إطار التمكين والرعاية والحماية والوعي، وتعزيز وجود التشريعات والقوانين وفرض المعايير الَّتي تحفظ للأُسرة والتربية الوالديَّة موقعها في المنظومة الاجتماعيَّة، ويوفِّر للكيان الأُسري مُقوِّمات القوَّة وأدوات النجاح، فيقترب القانون من الواقع، ويمارس خلاله دَوْر الناصح الرشيد والموجِّه الحاذق والدَّاعم لتغيير السلوك، وتأكيد التناغم بَيْنَ ما تحمله هذه التشريعات من أحكام وقواعد، وما تنشده من أمان واطمئنان واستقرار.
ثانيًا: تعزيز حضور مراكز البحوث الاجتماعيَّة في دائرة صناعة القرار.
إنَّ حوكمة تفعيل دَوْر مراكز البحوث الاجتماعيَّة والإنسانيَّة المتخصصة وإنشاء مراصد اجتماعيَّة، وإعادة هيكلة اختصاصاتها سوف يَضْمن مزيدًا من السلاسة والمرونة والمهنيَّة في إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي ورسم ملامح مضيئة تتجه إلى المهنيَّة والاحترافيَّة والريادة وكفاءة القرار في الحدِّ من الظواهر السلبيَّة، كما أنَّ إيجاد مراكز وطنيَّة لقياس الاتِّجاهات والرأي العام، وقياس الرسالة المرتجعة من البرامج الاجتماعيَّة والإعلاميَّة والتربويَّة والاقتصاديَّة والترفيهيَّة وغيرها، سوف يسهم في تقديم الأرقام والإحصائيَّات والمؤشِّرات وتحليلها ودراستها، والوقوف على حجم العينات والفئات المستهدفة والمرحلة العمريَّة وغيرها، هذا الأمر من شأنه أن يوفِّر البيانات النوعيَّة لمراكز البحث الاجتماعي في قراءة معمّقة لدلالات هذه الأرقام، وفَهْم العلاقات السببيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وتحليل التأثيرات النفسيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة لهذه الظواهر على الفرد والمُجتمع والاقتصاد والتنمية، والوقوف على الممارسة المُجتمعيَّة، وفَهْم ما يَدُوْر فيها من معطيات، وقدرتها على الاستفادة من قواعد البيانات ونتائج التقارير الرسميَّة الوطنيَّة والدوليَّة ذات العلاقة في توفير حلول وبدائل تعليميَّة وصحيَّة واقتصاديَّة واستثماريَّة وأُسريَّة في معالجة حالة القلق الاجتماعي، وتبنِّي سياسات بحثيَّة وتدريبيَّة وتوعويَّة وتسويقيَّة في تشخيص الظواهر والوقوف على حجم التأثير الناتج عنها، وعرض نتائجها على المُجتمع لضمان مشاركته في صنع سياسات تنمويَّة ناضجة؛ فإنَّ تحويل مراكز البحوث إلى مؤسَّسات تنفيذيَّة فاعلة سوف يُعزِّز من إدماجها ضمن دائرة صناعة القرار الوطني، ويجعل نتائجها أكثر تأثيرًا في رسم السياسات العامَّة. أخيرًا، تؤسِّس إدارة الظواهر الاجتماعيَّة في مُجتمع سلطنة عُمان اليوم لسياسات وطنيَّة تمتاز بالعمق والبُعد الاستراتيجي واستشراف المستقبل، فإنَّ ما يَدُور في المُجتمع اليوم من ظواهر فكريَّة متباينة اجتماعيَّة واقتصاديَّة يُمثِّل اختبارًا حقيقيًّا لإرادة المُجتمع، وقدرته على حماية منظومة القِيَم والثوابت الَّتي تميِّز الشخصيَّة العُمانيَّة. مع ما يتطلبه ذلك من الشفافيَّة والمكاشفة والمصارحة وتعزيز اللقاءات الفكريَّة والمناظرات الَّتي تُعزِّز الحوار الاجتماعي التشاركي وتحصِّن المُجتمع فكريًّا، وتبرز في الوقت نفسه الإرث القِيَمي الَّذي يمتلكه العُمانيون والَّذي يُشكِّل أحد أهم مصادر القوَّة. ومع التأكيد على أولويَّة التكامل في بناء استراتيجيَّات المواجهة، تبقى كفاءة عمليَّات التشخيص للظواهر وتوافر الأدوات والاستراتيجيات المحكمة، المعزّزة بالبيانات ونتائج الدراسات والمسوحات، الطريق لبناء مُجتمع عُمان؛ الوعي والقوَّة في إدارة الظواهر المُجتمعيَّة والحدّ من تداعياتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة بأدوات إبداعيَّة ومنهجيَّات مبتكرة.
د.رجب بن علي العويسي