الأحد 15 فبراير 2026 م - 27 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

مجمعات الوقف العثماني.. عندما كان العمل الخيري مقوما لبناء الحضارة

مجمعات الوقف العثماني.. عندما كان العمل الخيري مقوما لبناء الحضارة
السبت - 14 فبراير 2026 06:40 ص

نجوى عبداللطيف جناحي

10


يُعَدُّ الوقف الخيري من أبرز المؤسَّسات الَّتي عرفتها الحضارة الإسلاميَّة، ومن أكثرها أثرًا في تحقيق التكافل الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. ويَقُوم الوقف على حبسِ أصْلِ المال وتسبيل منفعته في أوْجُه البِر والخير، بما يَضْمن استمراريَّة العطاء وعدم انقطاع النفع، وهو ما جعله ركيزة أساسيَّة في تمويل الخدمات العامَّة عَبْرَ قرون طويلة. وقد أسْهَم الوقف الخيري في سدِّ احتياجات المُجتمع في مجالات متعدِّدة، مِثل التعليم، والصحَّة، والرعاية الاجتماعيَّة، وبناء المساجد، وتوفير المياه، وإعانة الفقراء والمحتاجين.. وبفضل هذا النظام، تمكَّنت المُجتمعات الإسلاميَّة من إنشاء مؤسَّسات علميَّة وطبيَّة واجتماعيَّة متقدمة، حافظت على استمراريَّتها بفضل الموارد الوقفيَّة، وتمتَّع العلماء والباحثون والقضاة باستقلاليَّتهم؛ كون أنَّ رواتبهم تأتي من موارد الأوقاف الخيريَّة، وليس من الدَّولة ممَّا عزَّز حياديَّتهم في أطروحاتهم وآرائهم. وتبرز أهميَّة الوقف الخيري في كونه يجمع بَيْنَ البُعد الدِّيني والبُعد التنموي، إذ يعكس قِيَم التضامن والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، ويُسهم في تحقيق العدالة الاجتماعيَّة والتنمية المستدامة. كما يُعَدُّ الوقف نموذجًا حضاريًّا متقدِّمًا لإدارة المال العام بصورة تُحقق مصلحة الفرد والمُجتمع على المدى الطويل، ممَّا يجعله تجربة تاريخيَّة جديرة بالدراسة والاستلهام في العصر الحديث، ومن التجارب المميزة والَّتي يُمكِن الاستفادة منها.

تطوَّر العمل الخيري في العصر الإسلامي لِيتحولَ من عمل فردي تلقائي يتَّسم بالعفويَّة لعملٍ مؤسَّسي منظَّم؛ وذلك بفعل تطوُّر الوقف الخيري حتَّى أصبح العمل الخيري منظومة متكاملة لتقديم خدمات للمُجتمع. ومَن يتتبع التجارب والممارسات في مجال الوقف الخيري يجد العديد من التجارب الَّتي تتصف بالعمل المؤسَّسي المستدام.. ومن هذه التجارب، ما عُرف بمجمَّعات الوقف العثماني أو ما يُسمَّى بالكُلِّيَّات الوقفيَّة، وهي عبارة عن مسجد، يتبعه مدرسة لتعليم علوم الدِّين والعلوم الشرعيَّة، وغيرها من العلوم، ومكتبة تضمُّ مراجع للباحثين، وكذلك مستشفى، ومطبخ يقدِّم وجبات للفقراء والجائعين من عابري السبيل، وسكن للمسافرين وعابري السبيل (فندق)، أو ما يُسمَّى في ذلك الوقف (خان)، وحمَّام عام، وسوق بحيثُ يَعُود ريعه لتمويل هذا المجمَّع الوقفي؛ فتحوَّلتِ المجمَّعات الوقفيَّة إلى مراكز حياة نابضة، تجمع بَيْنَ العبادة، والتعليم، والصحَّة، والرعاية الاجتماعيَّة، ضِمن إطار وقفي مستقلٍّ ومستدام؛ فكان الفقير يجد طعامه، والطالب يجد مصدرًا للعِلم الَّذي يطلبه، والمريض علاجه، والمسافر مأواه، وكُلُّ هذه الخدمات دُونَ مُقابِل.

اعتمدت هذه المجمَّعات على نظام إداري واضح من خلال دقَّة صياغة الوقفيَّة (وثيقة الوقف)، فهي تتضمن العديد من التفاصيل الَّتي تبَيِّن ماهيَّة الموقف، ومصادر التمويل، ووجوه صرف الوقف، ونوع الوجبات الَّتي تُقدَّم وعددها، ومواعيد عمل المستشفيات والمدارس، ومستوى راتب الموظفين، ونوعيَّة التخصُّصات الوظيفيَّة المطروحة، وغيرها من التفاصيل الإداريَّة؛ ممَّا يعكس نضجًا واضحًا في كفاءة العمل الإداري. وتتَّصف الخدمات المقدَّمة بالجودة العالية؛ ففي مدارس المجمَّعات الوقفيَّة، كان الطالب يحصل على السكن والطعام والكتُب مجانًا، فيما قدَّمتِ المستشفيات أو ما يُسمَّى بـ(البيمارستانات) خدمات طبيَّة متطورة نسبيًّا لعصرها، شملت علاج الأمراض الجسديَّة والنفْسيَّة. كما شملتِ الرعاية في فترة النَّقاهة حين يتمُّ تقديم جميع الاحتياجات لأُسرة المريض حتَّى لا يضطرَّ للخروج لكسبِ الرزق فتسوء حالته الصحيَّة. ويُعَدُّ مجمَّع بايزيد الثاني مثالًا لافتًا، حيثُ استُخدمتِ الموسيقى كوسيلة علاجيَّة للمَرضى النفْسيين.

ولقَدْ تنافَسَ السَّلاطين وكبار رجال الدَّولة والأثرياء في إنشاء المجمَّعات الوقفيَّة (الكُلِّيَّات)، لا بوصفها منشآت دِينيَّة فحسب، بل كمشاريع تنمويَّة طويلة الأمد. ويبرز من بَيْنِها مجمَّع الفاتح، ومجمَّع السليمانيَّة في إسطنبول، اللَّذان شكَّلا نموذجًا متكاملًا للدَّولة الراعية للمُجتمع عَبْرَ الوقف الخيري، لا عَبْرَ ميزانيَّة الدَّولة. وأرَى أنَّ مُقوِّمات استدامة هذه المجمَّعات الوقفيَّة هي توفير مصادر التمويل الموقوفة، كأنْ توقفَ عقارات مستثمَرة يَعُود ريعها لهذه المجمَّعات، كما أنَّ اعتماد هذه المجمَّعات على تمويل الوقف الخيري منَحَها الاستقلاليَّة والمرونة في سرعة اتِّخاذ القرارات وتسهيل تقديم الخدمات للناس؛ ممَّا جعلها مركزًا لتقديم خدمات اجتماعيَّة متكاملة.

نعم... باتَ العالم يواجِه أزمات اقتصاديَّة تعصف بالمُجتمعات والخدمات الَّتي يحصل عليها؛ لذا يطرح الموضوع نفْسه وهو: ما مدى الحاجة للعودة لهذا النموذج الوقفي وهو نموذج المجمَّعات الوقفيَّة للخدمات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة؟ وهل يُمكِن استلهام هذا النموذج التاريخي لإعادة بناء مفهوم العمل الخيري؛ بوصفه مشروعًا تنمويًّا مستدامًا، لا مجرَّد مساعدات مؤقتة؟

نعم... رُبَّما يحمل الماضي إجابة جاهزة... تنتظر فقط مَن يُعِيد قراءتها، وهنا لا بُدَّ أنْ نختمَ حديثنا بِدُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@