الأحد 15 فبراير 2026 م - 27 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : سلطنة عمان تغذي السلام فـي أزمنة الاضطراب

في الحدث : سلطنة عمان تغذي السلام فـي أزمنة الاضطراب
السبت - 14 فبراير 2026 06:36 ص

طارق أشقر

20


نشرت «الوطن» بعددها الصادر الثلاثاء العاشر من فبراير الجاري 2026 لوحة كاريكاتيريَّة للزميل ياسين الخليل تضمنتْ يدًا مكتوبًا على كمِّها «عُمان» وهي تنشر بذورًا على الأرض، وباليد الأخرى كيس مملوء بكميَّات أكبر من البذور، فيما تلتقط حمامة بيضاء الحبوب المنثورة بِنَهم، وعلى يمينها غصن زيتون مستقر على الأرض وكأنَّها تركته جانبًا لتتهيَّأ بقوَّة الدفع نَحْوَ السَّلام ثم تأخذه للتلويح به بأرجاء مختلفة من العالم ببحث على السَّلام.

تلك اللوحة ـ في تقديري ـ قراءة بصريَّة شارحة لتراكميَّة الدَّوْر السياسي العُماني الَّذي ظلَّ يتبلور بهدوء بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، فهو دَوْر شهدت المنطقة نتاجاته الإيجابيَّة منذُ المباحثات النوويَّة الأقدم (5+1) الَّتي جمعت بَيْنَ إيران مقابل أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا، حيثُ كانت مسقط إحدى المحطَّات المفصليَّة لتلك المباحثات، مستضيفةً جولات سرّيَّة ومباشرة بَيْنَ طهران وواشنطن؛ إذ مهَّدت تلك الجولات لاحقًا للتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015 الَّذي أسْهَم حينها في استقرار العالم لسنوات طويلة، وذلك قَبل خروج أميركا من ذلك الاتفاق، غير أنَّ المنطقة ظلَّت تتفيَّأ بما تبقَّى من نتاجاته حتَّى وقت قريب.

وفي الراهن السياسي الَّذي تعيش فيه المنطقة بأكملها توترًا بالغًا وقلقًا على أمنها المهدَّد بأيِّ تحرُّك عسكري غير محسوب التداعيات الَّتي قد تنعكس على حياة إنسان المنطقة، رغم أنَّها لرُبَّما تكُونُ محسوبة التداعيات الجيوسياسيَّة الَّتي يرغب فيها مَن يخططون لإشعالها.. فقَدْ جاء توقيت نشر لوحة «الوطن» الكاريكاتيريَّة يحمل دلالة قويَّة في مضمونها؛ كونها صُممت ونُشرت بعد أيَّام قليلة من استضافة مسقط جولة المحادثات النوويَّة غير المباشرة بَيْنَ إيران والولايات المتحدة في فبراير الجاري 2026، في لحظة إقليميَّة تتَّسم بحساسيَّة استثنائيَّة باعتبار أنَّ الأزمة لا تتعلق ببرنامج نووي فحسب، بل بمنظومة أمن إقليمي كاملة تقف على حافة تصعيد قد تتجاوز آثاره حدود طرفَي النزاع لِتطولَ الشرق الأوسط بأكمله.

يجسِّد هذا المشهد الإبداعي العميق للَّوحة في رمزيَّته جزءًا من الفلسفة العُمانيَّة الراسخة في إدارة الأزمات الإقليميَّة والدوليَّة، وهي فلسفة أثبتتِ الأحداث والصراعات المتلاحقة بأنَّها الخيار العقلاني الَّذي يتمُّ اللُّجوء إليه في منطقة أنهكتها لُغة الاستقطاب والتصعيد، خصوصًا وأنَّ سلطنة عُمان لا تسوِّق لنفسها كقوَّة سياسيَّة صاخبة ولا تسعى إلى مكاسب آنيَّة، بل تتحرك وفْقَ منطق الدَّولة الَّتي تؤمن بأنَّ الاستقرار الإقليمي ليس ترفًا سياسيًّا، بل ضرورة وجوديَّة.

ولذلك، فإنَّ دَوْرها لا يَقُوم على فرض حلول جاهزة، وإنَّما على تهيئة بيئة تفاوضيَّة تسمح للأطراف المتنازعة بالجلوس إلى طاولة الحوار دون شعور بالإملاء أو الإقصاء.

وعليه، فإنَّ ما يُمكِن قراءته من وضع الحمامة لغصنِ الزيتون جانبًا وهي تلتقط الحبوب يعكس حقيقة سياسيَّة غالبًا ما يتمُّ إغفالها في الخِطاب الدبلوماسي العالمي مفادها بأنَّ السَّلام لا يُمكِن أن يُحلِّق بعيدًا ما لم تتمَّ تغذية منطلقاته بأُسُس واقعيَّة تبدأ ببناء الثقة وتوفير قنوات تواصل آمِنة، وتخفيف حدَّة الخِطاب قَبل الانتقال إلى النتائج النهائيَّة، وهو النهج الَّذي تبنَّته الدبلوماسيَّة العُمانيَّة عَبْرَ عقود في ملفَّات معقَّدة أثبتت فيها أنَّ الصبر السياسي قد يكُونُ أكثر فاعليَّة من الاستعراض.

ومع تصاعد المخاوف من التكثيف العسكري الواضح بالمنطقة الَّذي يعكس ضغوطًا متبادلة، تظلُّ الحاجة إلى الصبر السياسي والتحرك الدبلوماسي الهادف إلى التمسُّك بالسَّلام قائمة حتَّى لو اندلعت رصاصات وصواريخ الصراع العسكري بسبب تراجع لُغة العقل أمام ضجيج القوَّة. وفي كُلِّ الظروف تظلُّ التجربة العُمانيَّة تذكيرًا بأنَّ الدبلوماسيَّة الهادئة حين تُدار بثبات واستقلاليَّة، قادرة على منح المنطقة فرصة جديدة للحياة والسَّلام.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»