الأحد 15 فبراير 2026 م - 27 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : إدارة الأثر وملامح القيادة الاقتصادية الجديدة

السبت - 14 فبراير 2026 03:33 م

رأي الوطن

10


يتقدم التنفيذ اليوم إلى صدارة المشهد الاقتصادي بوصفه معيار الجديَّة وميزان الثقة في السياسات العامَّة، فأصبحت النتائج هي مَن تَقُود المشهد، وتختبر قدرة المؤسَّسات على تحويل الرؤى إلى واقع إنتاجي ينعكس على الأسواق وفرص العمل واستقرار الموازنة، كما أضحتِ الاقتصادات الفاعلة تتحرك وفْقَ منطق الأثر الملموس، وتربط كُلَّ قرار بكلفته وعائده، وكُلَّ مشروع بزمن إنجازه وقِيمته المضافة، فتتشكَّل قوَّة الدَّولة الاقتصاديَّة في لحظة التنفيذ، حين تلتقي الإرادة السياسيَّة بالكفاءة الإداريَّة، وحين تتحول الأهداف إلى جداول زمنيَّة واضحة ومؤشِّرات أداء قابلة للقياس، ما يفرض هذا المسار ثقافة متابعة صارمة، ويُعزِّز التنسيق بَيْنَ الجهات، ويضع الاستثمار في إطار تنافسي يراعي سرعة الإجراءات وجودة الخدمات.. هكذا تتبلور مرحلة جديدة عنوانها إدارة الأثر، حيثُ يصبح الاقتصاد فعلًا يوميًّا منضبطًا يقيس نفسه بنفسه، ويصنع ثقة السوق عَبْرَ النتائج المتحققة على الأرض.

وتعكس جلسة اللَّجْنة الماليَّة والاقتصاديَّة الَّتي ترأسها صاحب السُّموِّ السَّيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصاديَّة في ولاية الجبل الأخضر، ترجمة عمليَّة لهذا التحوُّل في إدارة الملف الاقتصادي، حيثُ جاء الاجتماع بوصفه محطَّة متابعة وتقييم ضِمن مسار تنفيذي متواصل يرتبط بمستهدفات الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة وملف التشغيل وقِطاعات التنويع الاقتصادي. ولعلَّ اختيار الجبل الأخضر كموقع للجلسة يمنح الحدث بُعدًا يتجاوز الإطار الإداري، لِيحملَ دلالة تنمويَّة تتصل بالاقتصاد المحلِّي وبالقِطاعات الإنتاجيَّة المرتبطة بالزراعة والسياحة والاقتصاد الريفي، ويعكس حضور القرار الاقتصادي في الميدان لا في القاعات المغلقة، فاستعراض ما توصَّلت إليه اللَّجْنة من نتائج وتوصيات، وما أبداه سُموُّه من مرئيَّات تُعزِّز كفاءة البيئة الاستثماريَّة، يؤكِّد أنَّ النقاش ينتقل من مستوى العَرض إلى مستوى التَّوجيه والتصويب، وأنَّ المتابعة أضحت ضرورة ملحَّةً في عالمنا المعاصر، وباتتْ تمتدُّ إلى إعادة ضبط المسار بما يَضْمن تسريع التنفيذ وتحقيق أثر اقتصادي قابل للقياس. وتأتي أهميَّة اللَّجْنة الماليَّة والاقتصاديَّة من كونها تنهض بِدَوْر محوري في ضبط إيقاع المرحلة المقبلة، فهي تُمثِّل نقطة التقاء بَيْنَ الانضباط المالي ومتطلبات النُّمو، وتتحمل مسؤوليَّة إعادة ترتيب الأولويَّات وفْقَ معايير الكفاءة والعائد، لِيتمَّ تحقيق مثل ذلك في سياق الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، الَّتي تتحول مهامها إلى منصَّة توجيه اقتصادي تحدِّد مسارات الإنفاق، وتراقب جودة الاستثمار، وتدفع قِطاعات التنويع نَحْوَ تحقيق قِيمة مضافة حقيقيَّة داخل الاقتصاد الوطني، كما يتقدم ملف التشغيل في هذا الإطار كاختبار مباشر لنجاح السياسات، إذ يرتبط خلق الفرص الوظيفيَّة بقدرة المشاريع على الاستدامة والقدرة التنافسيَّة، وبمدى جاهزيَّة البيئة الاستثماريَّة لاستيعاب رؤوس الأموال وتحويلها إلى نشاط إنتاجي. ومن هذا المنطلَق تتشكل أهميَّة اللَّجْنة كآليَّة ضبط استراتيجيَّة تُوازن بَيْنَ الاستقرار المالي وحيويَّة السوق، وتمنح القرار الاقتصادي قدرة أعلى على التفاعل السريع مع المتغيِّرات الإقليميَّة والدّوليَّة، ضِمن مسار يضع الكفاءة والنتائج في قلب المعادلة الاقتصاديَّة.

إنَّ هذه الجلسة ترسم ملامح قيادة اقتصاديَّة جديدة تتحرك بثقة وتفرض إيقاعها على مسار التحوُّل الوطني، قيادة تضع التنفيذ في موضع الاختبار اليومي، وتجعل من قياس النتائج معيارًا لا يَقْبل التأجيل. لقَدْ بدَا واضحًا أنَّ القرار الاقتصادي في هذه المرحلة باتَ يُدار بعقليَّة الأداء، حيثُ تربط السياسات بأثرها المباشر على النُّمو والتشغيل وجاذبيَّة الاستثمار، وتخضع المشاريع لتقييم مستمر يقيس قدرتها على توليد قِيمة مضافة حقيقيَّة داخل الاقتصاد الوطني، ويؤكِّد هذا التوجُّه أنَّ التنويع الاقتصادي تخطَّى الإطار النظري، وأصبح مسارًا عمليًّا ترصد له الموارد وتحدَّد له مؤشِّرات واضحة تُقاس بها مساهمة القِطاعات غير النفطيَّة في الناتج والصادرات وسوق العمل. ولعلَّ أهمَّ نقاط قوَّة هذه القيادة تكمن في وعيها بأنَّ الاستقرار الاقتصادي يُصنع عَبْرَ الانضباط والكفاءة والنتائج، وبأنَّ الثقة في السوق تُبنَى حين ترى الأرقام تتحرك في الاتِّجاه الصحيح.. هكذا تتكرس مرحلة جديدة يقترن فيها الطموح بالمحاسبة، ويتحول فيها التنويع إلى مشروع أداء مستدام تَقُوده إرادة سياسيَّة تُتابع وتقيس وتوجِّه بثبات.