الثلاثاء 10 فبراير 2026 م - 22 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

قراءة فـي الاتصالات الدولية سلطنة عمان ودورها فـي السلام

قراءة فـي الاتصالات الدولية سلطنة عمان ودورها فـي السلام
الثلاثاء - 10 فبراير 2026 07:30 ص

المنتصر بن زهران الرقيشي

190

في الخِطاب السياسي المعاصر، يكاد مفهوم (السَّلام) يتحول إلى مفردة محصَّنة من النقد؛ فالدَّعوة إلى السَّلام تُقدَّم دائمًا بوصفها موقفًا أخلاقيًّا ساميًا، لا يجوز التشكيك في نيَّاته أو مساءلة توظيفه. غير أنَّ التجربة السياسيَّة ـ قديمها وحديثها ـ تكشف أنَّ خِطاب السَّلام ليس دائمًا تعبيرًا بريئًا يُنبئ عن رغبة في إنهاء الصراع، بل قد يتحول ـ في لحظات مُعيَّنة ـ إلى أداة سياسيَّة تُستخدم لإدارة التوازنات، واحتواء الأزمات، وإعادة ترتيب الشرعيَّات، أكثر من كونه مسارًا حقيقيًّا لتفكيك أسباب النزاع.

في هذا السياق، لا يكُونُ السَّلام قِيمةً مُطْلقة بقدر ما يُصبح لُغةً وظيفيَّة؛ فالدَّعوة إلى التهدئة، أو إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، قد تحمل في طيَّاتها معاني مختلفة تبعًا لطبيعة الصراع وموازين القوَّة بَيْنَ أطرافه. وحين تكُونُ الأزمة متَّصلة بتفاصيل إجرائيَّة أو مصالح قابلة للمساومة، يُصبح التفاوض أداة عقلانيَّة ومشروعة، أمَّا حين تتعلق بجوهر السُّلطة، أو بالسيادة، أو بالأمن القومي، أو بالخيارات الاستراتيجيَّة الكبرى، فإنَّ خِطاب السَّلام قد يُستدعى أحيانًا لتجميد الصراع ولشراء الوقت، أكثر من كونه وسيلة لإنتاج تسوية مستدامة. من هنا، يبرز الفارق الجوهري بَيْنَ السَّلام بوصفه غايةً سياسيَّة، والسَّلام بوصفه أداةً اتصاليَّة، الأول يفترض معالجة جذور التوتُّر وتقديم ضمانات ملموسة، بَيْنَما الثاني يركِّز على تخفيض منسوب التصعيد وإعادة ضبط الإيقاع السياسي دُونَ المساس بالبنى العميقة للأزمة. وفي كثير من الحالات، يُستخدم خِطاب السَّلام لإعادة تأطير الصراع في الوعي العام، بحيث يُقدَّم القَبول بالمفاوضات كحدٍّ أقصى من العقلانيَّة، ويُصوَّر أيُّ تحفُّظ على شروطها بوصفه تعطيلًا للحلِّ أو تهديدًا للاستقرار.

هذا البُعد الاتصالي للسَّلام يتجلَّى بوضوح في النزاعات الإقليميَّة والدّوليَّة المعقَّدة، حيثُ تتحول طاولة المفاوضات إلى ساحة صراع رمزي بحدِّ ذاتها. فالجلوس إلى الطاولة قد يمنح أحد الأطراف اعترافًا سياسيًّا أو معنويًّا كان يفتقده، ويُعِيد إدخاله إلى دائرة (الفاعل المقبول)، حتَّى قَبل أن يقدِّمَ تنازلات حقيقيَّة. وهنا، لا تكُونُ المفاوضات بحدِّ ذاتها مؤشِّرًا على قرب الحل، بقدر ما تكُونُ جزءًا من إدارة الصورة والشرعيَّة أمام الداخل والخارج.

في هذا الإطار، تكتسب تجربة سلطنة عُمان بوصفها وسيطًا في المفاوضات بَيْنَ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة والولايات المُتَّحدة أهميَّة خاصَّة، ليس فقط من زاوية دَوْرها الدبلوماسي الهادئ، بل من زاوية إدراكها العميق لحدود خِطاب السَّلام ذاته. فالوساطة العُمانيَّة، تاريخيًّا، لم تُبنَ على استعراض سياسي أو استثمار إعلامي في مفردات السَّلام، بل على مقاربة واقعيَّة تدرك أنَّ التهدئة لا تعني بالضرورة الحلَّ، وأنَّ جمع الخصوم لا يُنتج تلقائيًّا تسوية. لقد تعاملتِ السَّلطنة مع ملف التفاوض الإيراني ـ الأميركي بوصفه مسارًا بالغ الحساسيَّة، تحكمه حسابات أمنيَّة واستراتيجيَّة معقَّدة، وليس مجرَّد سُوء تفاهم قابل للتذليل عَبْرَ المجاملات الدبلوماسيَّة. ومن هنا، حافظت مسقط على موقعها كقناة اتصال موثوقة، دُونَ أن تنزلقَ إلى خِطاب سلام إنشائي أو وعود تفاؤليَّة غير قابلة للتحقق. هذا الحذر الاتصالي هو ما منَح الدَّوْر العُماني مصداقيَّته، وجعله مقبولًا من أطراف تُدرِك أنَّ السَّلام ـ في مثل هذه الملفات ـ عمليَّة تراكميَّة ذات مصداقيَّة عالية.

إنَّ خصوصيَّة الدَّوْر العُماني تكمن في فهمِه أنَّ الوسيط لا يصنع السَّلام فحسب، إنَّما يتجاوزه إلى ترتيب شروطه، وأنَّ نجاح الوساطة يُقاس بقدرتها على منع الانفجار وليس بعدد الصوَر واللقاءات المتلفزة، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حتَّى في ذروة التوتُّر. وهو فَهْم ينسجم مع قراءة واقعيَّة للسياسة الدوليَّة؛ إذ ترَى أنَّ خِطاب السَّلام قد يُصبح خطرًا إذا سبق التحوُّلات الفعليَّة في موازين المصالح والقوَّة.

وعليه، فإنَّ استدعاء السَّلام في سياق المفاوضات بَيْنَ إيران والولايات المُتَّحدة ينبغي أن يُقرأ بوصفه تعبيرًا عن حاجة الأطراف إلى إدارة الصراع ضِمن سقوف يُمكِن التحكم بها. وهنا، تتجلى قِيمة الوسيط حين يميِّز بَيْنَ السَّلام كخِطاب، والسَّلام كعمليَّة، وبَيْنَ التهدئة كتكتيك، والحلِّ كاستراتيجيَّة بعيدة المدى.

أقول لِمَن قال لي مستهجنًا وممازحًا: «إنَّ عُمان تعمل في الخفاء فقط!!» يا صديقي لا يُقاس السَّلام بما يُقال عنه، بل بما يُنتج على الأرض، والخطر الحقيقي يكمن في تحويله إلى غاية بحدِّ ذاته، أو في استخدام لُغته لإخفاء غياب الحلول. أمَّا الوساطة الرشيدة ـ كما تُجسِّدها الحالة العُمانيَّة ـ فهي تلك الَّتي تدرك أنَّ السَّلام ـ حين يكُونُ جادًّا ـ هو نتيجة توازنات ناضجة قالت لعُمان أنتِ أُمُّها وأبوها. وأقولها كعُماني: «كم أنا فخور بسياسة بلدي وهدوء نفوذها.. حفظ الله عُمان وجلالة السُّلطان».

المنتصر بن زهران الرقيشي

كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية

مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)

@mumtaserzr