الثلاثاء 10 فبراير 2026 م - 22 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : إدارة المشاعر فـي بيئات العمل: مدخل إنساني للعدالة والانتماء والإنتاجية

في العمق : إدارة المشاعر فـي بيئات العمل: مدخل إنساني للعدالة والانتماء والإنتاجية
الثلاثاء - 10 فبراير 2026 07:20 ص

د.رجب بن علي العويسي

140

كم هي المشاعر مساحات ودٍّ لا تنقطع، ومسارات من التفاؤل لا تنتهي، تحرِّك مسارها الأمنيات، ويرقى بها صدق الكلمات وإخلاص النيَّات، تصفو فوق الكدر، وتتسامى فوق الخلاف، وعِندَما تنمو في بيئات العطاء يزداد بريقها، فتزهر ورودًا، وتسكب قطرات الحُب النابع من منابت الصدق المخلصة. غير أنَّها عِندَما تضيع في خضم المغالطات وتُختزل في تصفية حسابات، ولا تجد من يأخذ بها في واقع العطاء ومواقع الإنجاز ومسارات الأداء، تتحول إلى أضغاث أحلام مبدّدة تبحث عن وطن يحتويها بإنسانيَّته الراقية؛ مشاعر ضائعة، وأُمنيات وأحلام مغتربة، تائهة في خضم الأحداث المتعكرة بمزاجيَّات البعض ومعايير الموازنات الخاصَّة والمكاسب الشخصيَّة، فلا تجد من يأخذ بيدها إلى برِّ الأمان، ويرتقي بها فوق مساحات الجَمال، ويفتح لها نوافذ الآمال.

لم تكُنِ المشاعر أطيافًا عابرة ـ يقدِّرها مَن ائتمنهم الوطن على مؤسَّساته وكلَّفهم برعاية حقوق إنسانه، بحسب حاجتهم إليها أو وفق أجنداتهم وطموحاتهم فيها ـ، بل حياة متجددة، وجسر أمل لا ينقطع من التواصل والاستمراريَّة والتفاؤل. ولكوننا بشرًا نحتاج إلى مَن يحتضن مشاعرنا، يقدِّر إنجازنا، يبادر لإسعادنا، ويطمئن على عطائنا، وينتظر ابتسامتنا، إذ بهذه المشاعر يُصنع التغيير، وتُقطف ثمار الجهد، وتبرز القِيمة والأخلاق في أرقى مستوياتها، وأدق صوَر ارتباطها بالإنتاجيَّة، لتغيّر وجْه الواقع، وتلبسه حلَّته المتجدِّدة المرصَّعة بثوب المروءة والحياء والصدق والصفاء والنقاء؛ إجلالًا لقِيمة الإنجاز ووفاءً للمخلصين والناجحين من أبناء وطني.

إنَّنا بحاجة إلى مشاعر تنبض بالحياة، تتمسك بالحياء، وتتبنى الصدق، وتهمس بالعطاء، وتمجِّد الإخلاص، وتبني في نفوس المخلصين فرص التنافس من أجْل الوطن والإنسان، وتحقق السعادة وهي ترفرف على الأفئدة مبشرة بغدٍ جديد مشرق، تُبنى فيه القدرات والاستعداد لتروي المؤسَّسات بعصارة أفكارهم ونبل مشاعرهم وسموِّ حُبهم وصدق انتمائهم.

لذلك كانت المؤسَّسات بحاجة إلى أن تُصنع فيها المشاعر، كما تُصنع القدوات ويؤصَّل التفاؤل وتُبنى القدرات، لتصبحَ صناعة المشاعر في المؤسَّسات سلوكًا متقنًا يدركه المسؤول ويلتزمه متَّخذ القرار، محكومًا بأنظمة واضحة، واستراتيجيَّات أداء مقنّنة، ومنهجيَّات دقيقة تؤسِّسها أخلاقيَّات العمل وتؤكدها القوانين والتشريعات، وتبرزها رسالة المؤسَّسات، وتترجمها مسؤوليَّات الأفراد في كُلِّ مواقع العمل وأنشطة الإنتاج؛ إذ غياب إدارة المشاعر يعني أن تصبح المؤسَّسات فاقدة للروح، جوفاء الشعور بالآخر، منعدمة الإحساس بالإنسانيَّة، فيغيب معها بريق العطاء، وتبقى مساحاتها فارغة مشحونة بالتظلمات والكراهيَّات وأنماط التهميش والإقصاء. ويمتد ذلك إلى طريقة اتِّخاذ القرار وأساليب الاختيار والترشيح للتدريب أو التكريم أو المكافأة، فتبدو المسألة في وضع آخر يفتقد حسَّ العدالة وقِيمة العدل، لتجدَ هذه المشاعر في أروقة المؤسَّسات ومكاتب المسؤولين ومستندات العمل والاجتماعات والحوارات والخطط والتوجُّهات والممارسات طريقها نَحْوَ التغيير، وسبيلها لوحدة الرؤية وتنفيذ الرسالة وترجمة القِيَم والاعتراف بالمنجز وتقدير التميز.

ومن هنا كان الاهتمام بالمشاعر تحوُّلًا في مسار العمل في المؤسَّسات، ونهضة في وجْه التسلط والبيروقراطيَّات، إنَّه مسار جديد ينهض بالعطاء ويسمو بالإنجاز، ويستحضر مشاعر الصدق والإخلاص وحسَّ المواطنة والمسؤوليَّة وأرصدة الإخلاص الَّتي تزيِّن لُغة الخِطاب، وتؤطِّر منهج العمل، وتعكس روح الأخوة والألفة والفريق الواحد من أجْل الجودة، فتصبح مكاتب المسؤولين (الوزير والوكيل والمدير العام) أبوابًا تفتح الآمال، وتبني الأحلام، وتتعاطف مع روح الإنسان التوَّاقة لشرف العطاء، لتنزلَ بهم من برج الأنانيَّة والذاتيَّة إلى رصد مشاعر المخلصين في بريق صفائهم، وصدق مشاعرهم، ونبض وفائهم. منهج عمل تضبطه القوانين وتؤكده المعايير، من أجْل إثبات وجود فعلي للقادرين على العطاء، المتساميين فوق صيحات اغتصاب الأذواق من أولئك الَّذين يقفون في وجْه تحقيق الآمال، مضيّعين للأمانة والمسؤوليَّة عَبْرَ سُلطة المكاتب أو سياسة غلق الأبواب.

إنَّ تعظيم حضور المشاعر المنتجة، وترقية أدواتها، وضبط مساراتها، كمحفِّز للأداء النوعي والعمل المنتج، يستدعي التزامًا أصيلًا ومسؤوليَّة تتجاوز الوقتيَّة، وحسًّا تواصليًّا يقف على كُلِّ محطَّات العمل لضمانِ تحقُّق المشاعر في أفضل مقاصدها وأرقى أساليبها، وهو التزام يتسم بالاستمراريَّة والعمق والفهم والوعي بأهدافها وبمسؤوليَّاتنا في تطبيقها، بعيدًا عن الوقتيَّة والذاتيَّة والمزاجيَّة والظرفيَّة، لِيكُونَ شاهد إثبات لنا في عرف الجدارة والتميُّز، واستراتيجيَّات الشعور بالرضا والاطمئنان. كما يكُونُ محطَّة تقييم تقيس مستوى وعْينا بالممارسة، وجدِّيَّتنا في إظهارها بثوب الإتقان وهيبة الجودة، لِتكُونَ لنا زادًا يفتح الآمال العراض بمساحات من الاعتراف، ومحطَّات من الثقة، ولُغة استحقاق متجدِّدة.

وأن تقرأ المؤسَّسات هذا الالتزام في اقترابها من إنسان هذا الوطن وارتباطها به، ليشعرَ بأنَّ ما يقدَّم له إنَّما هو تعبير عن صدق الالتزام ووضع التعهد على طاولة التطبيق، مدخلًا يقينًا عثرة التأخر، وإطار عمل يضمن مساحات أكبر للجديَّة، والبحث عن فرص التطبيق في تعامل المؤسَّسات مع أهدافها واستراتيجيَّات عملها، لتقدمَ شواهد حيَّة تُعزِّز في المؤسَّسة سياسة الباب المفتوح، والممارسة التأمليَّة، والتفكير الجمعي، والتغذية الراجعة المعزّزة للأداء، وبناء فريق العمل المتكامل، ووفائها بأنظمة الجودة، والتزامها بتحقيق الشراكة مع المستفيد في مسؤوليَّتها الاجتماعيَّة، واختصار الإجراءات الإداريَّة والروتينيَّة، والاهتمام بسعادة المستفيد واقتناعه بأهميَّة القرارات والتوجُّهات، واحترام الإرادة، وتقدير النماذج المضيئة، وتفعيل المواهب، وتنمية الوعي، وإحداث نقلة نوعيَّة في ضمير المسؤوليَّة الَّتي تنظر إلى كُلِّ ذلك بحسِّ الوطن وقِيَم الفضيلة وأمانة المسؤوليَّة، وصناعة المسؤول الواعي القادر على النهوض باستحقاقات الموظف وصناعة الفارق في أدائه، عَبْرَ فرص التحفيز الَّتي يمنحها له، والمواقف النوعيَّة الَّتي تبني شخصيَّته، وبرامج التدريب والتأهيل الَّتي تثبت بصمة حضوره الفعليَّة في الأداء، والثقة بإنجازاته. وذلك من أجْل صناعة مورد بشري كفء قادر على الارتقاء بالمؤسَّسة إلى أفضل المستويات، وتحويل المهام المجرَّدة إلى حياة متجدِّدة تصنع للمؤسَّسة حضورًا وهيبة في المُجتمع، واعترافًا والتزامًا من موظفيها أنفسهم.

وفي الوقت نفْسه حضور المشاعر في قراراتنا دفعًا للمضرَّة وتأثيرها السلبي على مشاعر مَن ظلمناهم، أو أخلفنا الوعد معهم، أو حاولنا تعطيل طموحاتهم، أو وضعنا العراقيل أمام تقدُّمهم. ونحتاج أن تكُونَ مشاعر الإنسانيَّة الصادقة حاضرة في ثقافة المؤسَّسات؛ تلك المشاعر الَّتي تبني المودَّة، وترسم البسمة، وتنتج التقدم، وتلبس ثوب العطاء، وتعزز قوَّة الإنتاجيَّة وسلوك الالتزام، وتنشر العدالة، وتُعِين على الحق، وترسِّخ المسؤوليَّة، وتصفِّي النفوس، وتُنير درب العطاء، وتبجِّل قِيمة الكفاءة، وتبني الأحلام واقعًا عمليًّا. فكم من كلمة طيِّبة أنبتت عطاءً يصعب وصفه أو اختصاره أو حصره؛ وكم غيَّرت من سلوك، وعدَّلت من ممارسة، وأبرزت جديدًا، وأنتجت مُجيدًا. فما أعظم المشاعر عِندَما تنتهج الصدق، وتؤصِّل القدوة، وتتقارب مع روح العطاء، وتتناغم مع التشريعات والقوانين وثقافة المؤسَّسة، وتبرز فيها قِيَم المسؤوليَّة، وترتقي قِيَم الممارسة وحُسن التعامل، والحرص على احترام إنسانيَّة الآخر ورعاية مشاعره، وعدم تبديد طموحاته لأسباب واهية ومسارات مناقضة لضمير المسؤوليَّة وصدق العمل. وعِندَها نضمن لمؤسَّساتنا حياة ملؤها الحُب والانتماء، والصدق في أعمالنا، والبُعد عن الإساءة للمخلصين والناجحين.

أخيرًا، تبقى إدارة المشاعر روح الإنسانيَّة وتفاصيلها الدقيقة الَّتي تسري في بيئة العمل، وتتفاعل مع طبيعة المنجز، لتتركَ أثرًا جميلًا يظهر في انتماء الموظف لمؤسَّسته واحترامه لقراراتها وتحسُّن إنتاجيَّته، وخلق حسّ التغيير الإيجابي في سلوكه وقناعاته واهتماماته وتفاعله مع المهام الوظيفيَّة الَّتي يمارسها. فكُلَّما عزَّزت بيئة العمل مفاهيم إدارة المشاعر والاحتواء والعلاقات الإيجابيَّة، رَسمتْ ملامح مضيئة، وأنتجت مسارات متجدِّدة، وقدَّمت صورة غير تلك الَّتي كانت بالأمس. فابحثوا ـ رعاكم الله ـ عن المشاعر في ضمير مسؤوليَّاتكم؛ فإنَّها تحمل لكم خيرًا عظيمًا، ونورًا مُبينَا، يجنِّبكم مسالك الزَّلل، ويقيكم عثرة الأنانيَّة والفردانيَّة، ويمنحكم أرصدة الوفاء للمنجز، في حياتكم المهنيَّة وبعد تقاعدكم إرثًا وأثرًا وتقديرًا وذِكرًا حسنًا، احترامًا لإنسانيَّة العاملين الكادحين المخلصين من أبناء هذا الوطن في كُلِّ مواقع العمل والمسؤوليَّة، فإنَّهم أمانة بَيْنَ أيديكم.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]