الثلاثاء 10 فبراير 2026 م - 22 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الانتقال بالأمن الغذائي من مفهوم الوفرة إلى معادلة السيادة

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 03:18 م

رأي الوطن

170

تُعاد صياغة مفهوم الأمن الغذائي على مستوى العالم خارج القاموس التقليدي للوفرة والأسعار، ويتقدم بوصفه قضيَّة سياديَّة ترتبط مباشرة باستقرار الدول وقدرتها على حماية قرارها الاقتصادي والسياسي؛ فما شهده العالم خلال السنوات الأخيرة من اختناقات في سلاسل الإمداد، وتقلُّبات حادَّة في أسعار الغذاء والطاقة كشف أنَّ الاعتماد على السوق الدوليَّة وحده يحمل كلفة سياسيَّة قَبل أنْ يحملَ كلفة ماليَّة، لِيصبحَ الغذاء جزءًا من معادلة الأمن الوطني، لا ملفًّا خدميًّا أو بندًا استهلاكيًّا. ومن هنا يُمكِن فَهْمُ التحرُّكات العُمانيَّة في قِطاع الغذاء باعتبارها قراءة مبكرة لتغيُّر قواعد اللعبة، قراءة تنطلق من إدراك أنَّ الدَّولة الَّتي لا تمتلك حدًّا معقولًا من التحكم في غذائها، تظل مكشوفة أمام الأزمات مهما امتلكت من موارد. وعليه، فإنَّ الأمن الغذائي هنا يُبنى بعقل استثماري طويل النفَس، يربط الإنتاج بالتصنيع، والتصنيع بالتصدير، ويحوِّل الغذاء من عبء استيراد إلى مصدر قوَّة اقتصاديَّة، وهذا التحوُّل لا يَحدُث بالشعارات، لكنَّه يحتاج قرارات ثقيلة، واستثمارات نوعيَّة، وشراكات قادرة على نقل الدَّولة من موقع التلقِّي إلى موقع الفعل داخل سلاسل القِيمة العالميَّة.

ومن هذا المنطلَق تأتي الشراكة الاستراتيجيَّة الَّتي وقَّعتها الشركة العُمانيَّة لاستثمارات الغذاء مع شركة JBS البرازيليَّة بوصفها مثالًا تطبيقيًّا على هذا الفَهْم الجديد للأمن الغذائي، حيثُ يجري التعامل مع الغذاء باعتباره صناعة متكاملة لا سلعة مستوردة؛ فالمشروع لا يتوقف عِندَ إنشاء منشآت إنتاج للحوم الحمراء والدواجن داخل سلطنة عُمان، لكنَّه يُعِيد رسم موقع عُمان داخل سلاسل القِيمة الغذائيَّة العالميَّة عَبْرَ نقل مراحل التصنيع الأُولى إلى الداخل، وربطها بطاقة إنتاجيَّة تتجاوز احتياجات السوق المحلِّي. وهذا التَّوَجُّه يعكس قناعةً بأنَّ الاكتفاء لا يتحقق بالاستيراد الآمن، وإنَّما ببناء قدرة إنتاجيَّة مستقرَّة، قادرة على الصمود، وقابلة للتوسُّع. كما أنَّ اختيار إقامة منشآت متكاملة في عبري وثمريت يكشف بُعدًا تنمويًّا واضحًا، يربط الأمن الغذائي بالتنمية الإقليميَّة وتوزيع الأثر الاقتصادي، وهنا يتحول الاستثمار الأجنبي من تمويل إلى شراكة تشغيليَّة تنقل المعرفة، وتوطِّن التقنيَّة، وتؤسِّس لقِطاع غذائي يُدار بعقل صناعي، ويخطّط له بِعَيْنٍ تصديريَّة، بما يجعل المشروع جزءًا من معادلة الاستقرار الاقتصادي لا استثناءً داخلها. ويظهر دَوْر جهاز الاستثمار العُماني بوصفه فاعلًا في صياغة منظومة غذائيَّة متكاملة، لا جهة تمويل تبحث عن عائد مالي معزول. وعليه، فإنَّ طريقة إدارة هذا المشروع تعكس انتقال الجهاز من منطق اقتناص الفرص إلى منطق هندسة القِطاعات، حيثُ يجري ربط الاستثمار بالإنتاج، وربط الإنتاج بسلاسل التوريد، وربط كُلِّ ذلك بأثَر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس. فالأمن الغذائي هنا لا يُدار كملف طوارئ، لكنَّه يبنى كقِطاع إنتاجي طويل الأمد، يولد وظائف، ويرفع كفاءة القوى العاملة، ويُعزِّز المحتوى المحلِّي عَبْرَ سلسلة واسعة تبدأ من الزراعة وتنتهي عِندَ التصدير. كما أنَّ استقطاب شريك عالمي بهذا الحجم يكشف ثقة متبادلة، ويعكس جاهزيَّة البيئة الاستثماريَّة العُمانيَّة لاستقبال استثمارات معقَّدة تشغيليًّا، لا تبحث عن السوق المحلِّي فقط، لكنَّها ترى في السَّلطنة منصَّةً إقليميَّة مستقرَّة وقابلة للنُّمو، لِيتحولَ الاستثمار في الغذاء إلى أداة استقرار اقتصادي، تُدار بعقل الدَّولة، وتُحسب آثارها خارج منطق الربح السريع.

إنَّ دَوْر جهاز الاستثمار العُماني في هذا المشروع يتجاوز منطق إدارة أصلٍ استثماري إلى إعادة تعريف موقع الغذاء داخل معادلة الدَّولة، حيثُ يجري التعامل مع البروتين بوصفه ركيزة سياديَّة قابلة للتحوُّل إلى نفوذ اقتصادي. لذلك فإنَّ استهداف أنْ تصبحَ سلطنة عُمان مركزًا إقليميًّا لإنتاج وتصدير اللحوم الحلال يعكس فهمًا دقيقًا لتقاطعات الجغرافيا، والسمعة، والاستقرار، وسلاسل التوزيع العالميَّة، خصوصًا مع شريك يمتلك حضورًا واسعًا في عشرات الدوَل. والقدرة الإنتاجيَّة الَّتي تتجاوز احتياجات السوق المحلِّي تضع السَّلطنة في موقع الفاعل داخل الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة، لا المتلقِّي لتقلُّباتها، وتحوِّل الغذاء إلى مورد تصديري يولد قِيمة مضافة مستدامة.. وهنا يخرج الأمن الغذائي من نطاق الدفاع إلى نطاق المبادرة، ومن فكرة الحماية إلى فكرة الدَّوْر، حيثُ يصبح الغذاء أداةً لتعزيز المكانة الاقتصاديَّة، وتوسيع شبكة المصالح، وبناء استقرار طويل الأمد. بهذا المعنى، يكتمل المشهد: استثمار سيادي، وشراكة تشغيليَّة، ورؤية وطنيَّة ترى في الغذاء صناعة، وفي الصناعة قوَّة، وفي القوَّة استقرارًا.