في غزَّة العزَّة، وعلى امتداد الضفَّة الغربيَّة والقدس، يُسطِّر شَعبنا كُلَّ يوم أسطورة الثَّبات والبقاء والصمود، رغم كُلِّ الأهوال الَّتي تتساقَط فوق رأسه جرَّاء العدوان ونهج البربريَّة الفاشيَّة الصهيونيَّة. فيما يهرَع نتنياهو للبحث عن «نصرٍ مزعوم» بعد أن دَمَّرَ الأخضر واليابس، في استهداف المَدَنيِّين وصولًا لحرب التَّجويع والتَّعطيش في أبشع صوَرها.
«النَّصر المزعوم» الَّذي يبحث عَنْه نتنياهو، يأتي بعد عمليَّة إبادة ما زالت تتواصل فصولها في قِطاع غزَّة، إبادة استهدفت وتستهدف البَشَر والحجَر قَبل أيِّ شيء آخر. وكل لِيخرجَ ويقول لمُجتمعه الفاشي بأنَّه جاء برؤوس «الإرهاب الفلسطيني...؟»
وقَبل أيَّامٍ قليلة، تغنَّى نتنياهو بتصريحاتٍ مُقتضبة، أعلنَ فيها عن تأكيدات في الوصول إلى العنوان رقم أربعة في كتائب الشَّهيد عزِّ الدين القسَّام، وهو القائد مروان عيسى في غارة جوِّيَّة على موقع بمُخيَّم النّصيرات في قِطاع غزَّة. متوعدًا بالوقت نَفْسه بالوصول إلى كُلِّ القيادات الميدانيَّة صاحبة القرار في قِطاع غزَّة، ومن كُلِّ القوى الفلسطينيَّة من القسَّام، إلى سرايا القدس، إلى كتائب شهداء الأقصى، إلى ألوية النَّاصر صلاح الدِّين، إلى كتائب الشَّهيد أبو علي مصطفى. فقَدْ قال نتنياهو أيضًا في مقطع فيديو جرى تعميمه إعلاميًّا، «نحن في طريقنا إلى انتصارٍ مُطلق. وفي الطَّريق إلى هذا الانتصار، صفَّينا رقم 4 و3، 2 و1 في الطَّريق. جميعهم محكومون بالموت، وسنصلُ إلى جميعهم». وحسب التَّصنيفات «الأمنيَّة الإسرائيليَّة»، فإنَّ القيادي رقم (1) في كتائب القسَّام هو يحيى السنوار (اللاجئ من بلدة عسقلان ومن سكَّان مُخيَّم خان يونس)، ورقم (2) هو محمد الضَّيف لاجئ من بلدة أسدود ومن سكَّان مُخيَّم خان يونس، ورقم (3) هو مروان عيسى وهو لاجئ من بيت أطما قضاء الرملة ومن سكَّان مُخيَّم البريج، ورقم (4) هو صالح العاروري (من عارورة قرب رام الله) والَّذي اغتيل بُمسيَّرة على الضَّاحية الجنوبيَّة في بيروت. التَّركيز على تكرار مقولة الوصول إلى الرؤوس القياديَّة الميدانيَّة الفلسطينيَّة، والإيغال في نهج الاغتيالات، وكأنَّه مفتاح الفوز عِنْد نتنياهو في حربه المجنونة على الشَّعب الفلسطيني، يأتي من ينابيع التطرُّف في بنية كيان الاحتلال الَّذي شقَّ طريقه بالعنف الدَّموي والاغتيالات الَّتي لَمْ توفِّر حتَّى الوسيط الدولي (الكونت برنادوت) قُبيل العام 1948 الَّذي قُتِل برصاص (منظَّمة ليحي) الصهيونيَّة الإرهابيَّة، وبرصاص اسحق شامير الَّذي سيصبح بعد سنواتٍ طويلة رئيسًا للحكومة في «إسرائيل». فدَولة الاحتلال ومنذ قيامها، تعتقد بأنَّ ملاحقة واغتيال القادة الميدانيِّين الفلسطينيِّين سيُوقِف مَسيرة الشَّعب الفلسطيني، ويُنهيها تمامًا. هكذا اعتقدوا مع اغتيالات لَمْ تتوقَّفْ طالت قيادات من مختلف الفصائل الفلسطينيَّة، ومِنْهم الشُّهداء الثلاثة في بيروت كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجَّار. وقَبلهم الكاتب والإعلامي والمثقَّف الأديب غسَّان كنفاني، وصولًا للشَّهيد خليل الوزير قائد قِطاع الأرض المُحتلَّة في حركة فتح، وبعد ذلك في استهداف العدد الكبير من القيادات في الانتفاضتَيْنِ الأولى والثَّانية، من الشَّهيد الشَّيخ أحمد ياسين والرنتيسي وثابت ثابت وأبو علي مصطفى والمقادمة وصلاح شحادة... أخيرًا، لقَدْ ثَبتَ في التجربة الوطنيَّة الفلسطينيَّة، أنَّ الاغتيالات واستهداف الكوادر والقيادات من قِبل دَولة الاحتلال، لَنْ تعطيَ نتيجة، فالشَّعب الفلسطيني شَعبٌ ولَّاد، ورحم المرأة الفلسطينيَّة لدَيْه الخصوبة العالية وليس رَحمًا عاقرًا.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
دمشق ـ اليرموك