الاثنين 09 فبراير 2026 م - 21 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

ملامح التهديدات المستقبلية فـي البيئة الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجية

ملامح التهديدات المستقبلية فـي البيئة الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجية
الأحد - 08 فبراير 2026 08:00 ص

محمد بن سعيد الفطيسي

10

المتتبع لِمَا يحدُث في البيئة الأمنيَّة الدوليَّة يتأكد له ـ وبما لا يدع مجالًا للشك ـ أنَّ مستقبل النظام العالمي الراهن، وبالتَّالي الأمن والاستقرار الدولي يعيشان حالة من التراجع الخطير في ما يتعلق بالبناء القانوني الدولي. وبمعنى آخر، فإنَّ حالة من التطرف واستعراض للعضلات والتصرفات الأحاديَّة الجانب تغلب على سلوكيَّات الفواعل في علاقتها مع بعضها البعض، خصوصًا الدول الكبرى تجاه قضايا الأمن والاستقرار.

لعلَّ أبرز العوامل المحركة لحالة الاضطراب والصراع الدولي الراهن هي العوامل الاقتصاديَّة وعلى رأسها النفط والذهب، مع التأكيد على العامل الجيوسياسي الَّذي يُشير إلى مكانة الدول في قلب الأحداث العالميَّة، أي هل لدول مجلس التعاون الخليجيَّة أهميَّة جيوبوليتيكيَّة في التأثير بالأحداث الدوليَّة، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط؟ ولعلَّ الإجابة على هذا السؤال سهلة للغاية وبالأدلَّة الواضحة على أهميَّة هذه الدول في البيئة الأمنيَّة الدوليَّة.

هذا إذا ما أضفنا إلى ذلك البيئة المحفِّزة لعدم الاستقرار والَّتي تحيط بدول مجلس التعاون الخليجيَّة، حيثُ أكثر الملفات سخونةً واضطرابًا في البيئة الأمنيَّة الدّوليَّة مثل الملف النووي الإيراني والملف اليمني. يُضاف إلى ذلك ملف الثروات الطبيعيَّة الَّتي تملكها هذه الدول وعلى راسها النفط في ظل التنافس والصراع العالمي على مصادر الطاقة، ولا ننسى الممرَّات المائيَّة مثل مضيق هرمز والَّذي يُعَدُّ اليوم أحد أهم معابر الطاقة العالميَّة.

تأكيدًا لوعي هذه المخاطر وغيرها، أكَّد الأمين العام المساعد للشؤون السياسيَّة والمفاوضات في مجلس التعاون عبد العزيز العويشق في لقاء مع صحيفة الشرق الأوسط في مارس 2024م «أنَّ هناك حالة استقطاب في الساحة الدوليَّة بَيْنَ القوى العُظمى لم نشهدْها منذ انتهاء الحرب الباردة، وأدَّى هذا الاستقطاب إلى شَللٍ في النظام الدولي يجسِّده عدم قدرة مجلس الأمن على حل أخطر مُشْكلتين يشهدهما العالم حاليًّا، وهما الحرب على غزَّة وحرب روسيا وأوكرانيا»، ولهذه المسبِّبات «أصبح من المُهمِّ أن يصرِّح مجلس التعاون برؤيته للأمن الإقليمي، خصوصًا أنَّه خلال الفترة الماضية ظهرت محاولات من قِبل جهات خارجيَّة لوضع رؤية لأمن الخليج، ولكنَّها غالبًا ما تجاوزت الدَّوْر المركزي لمجلس التعاون، وقلَّلت من وزن الإمكانات الذاتيَّة لدولِه في الحفاظ على الأمن الإقليمي».

على ضوء ما سبق ـ ومن وجهة نظرنا الشخصيَّة ـ فإنَّ المخاطر الَّتي ستواجهها دول مجلس التعاون الخليجيَّة خلال الفترة القادمة سترتفع كثيرًا، ولعلَّ أبرزها سيكُونُ مُقوِّمات التعاون نفسها، حيثُ المحاولات الخارجيَّة لتفريق هذه الدول عن بعضها البعض، يضاف إلى ذلك مخاطر الملفَّات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة الَّتي ستتركز حَوْلَ الضغوط الخاصَّة بأسعار النفط ومضيق هرمز. ولعلَّ الملف النووي الإيراني والملف اليمني سيكونان الشمَّاعة الَّتي ستضغط من خلالها الدول الطامعة للتمركز في المنطقة خلال الفترة القادمة، وما يعني ذلك من تهديد واضطراب في البيئة الأمنيَّة الخاصَّة بهذه الدول.

على العموم، الأمر منوط بدول وقيادات هذه المساحة الجغرافيَّة من العالم، وقدرتها على التكتُّل والتعاون في مواجهة الأخطار والتهديدات، وإن كان من ضرورة ملحَّة يَجِبُ أن تأخذها في الحسبان خلال الفترة القادمة فهي أهميَّة التنسيق والتفاهم حَوْلَ القضايا الأمنيَّة والملفات الساخنة الَّتي تحيط بها، قدرتها على تمكين مواطنيها؛ لأنَّه ـ وكما قُلنا في مقالات ودراسات سابقة ـ إنَّ أمن الدول واضطرابها يبدأ من الداخل الوطني، والأمر ذاته ينطبق على هذه الدول، فمواطنوها وأبناؤها هم المعنيون بالدرجة الأولى بتحقيق أمنها واستقرارها.

ختامًا، أملنا أن نسمعَ ونشاهد على أرض الواقع مزيدًا من التعاون والانسجام الخليجي حيال المخاطر والتهديدات الَّتي تحيط بدول مجلس التعاون الخليجيَّة خلال مقبل الوقت، وأن نلمس هذا الانسجام والتفاهم واقعًا يثمر الخير والتنمية على الإنسان والعمران.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @