عندما دخلت مهنة الصحافة في ثمانينيَّات القرن الماضي، كانت الجريدة بها مكتبة ضخمة تحتوي كتبًا في سائر المجالات الثقافيَّة والسياسيَّة والرياضيَّة، وكان هناك قِسم الأرشيف، يجمع صفحات الجريدة في مجلدات ضخمة، مفهرسة حسب تاريخ الإصدار، ولعلَّ أشهر أرشيف كان بجريدة الأهرام الَّذي أرَّخ للحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر، كانت هذه مصادر المعلومات الَّتي يستعين بها الصحفي في تجهيز المادة التحريريَّة، قَبل ظهور الحاسوب والإنترنت.
مع التطور التقني المتسارع في التسعينيَّات والألفيَّة الجديدة، تسارع جمع المعلومات وتخزينها على الأجهزة الرقميَّة، حتَّى وصلنا للتخزين السحابي والـ»الشات جب بي تي، والذكاء الاصطناعي، وأصبح الوصول للمعلومة لا يحتاج سوى ضغطة زر.
كان لهذا التطور فوائد عظيمة في المجالات المدنيَّة والعسكريَّة؛ في السجل المَدني والجوازات والمعاملات الحكوميَّة، وامتد الأمر للكتَّاب والصحفيين، فلم يعودوا في حاجة لقضاء ساعات طويلة في البحث اليدوي، أو عمل أرشيف ورقي يشغل حيزًا كبيرًا ومعرَّض للتلف أو الفقدان، ولكن صاحب هذا التطور، كثير من المسالب، لعلَّ أبرزها المعلومات الخاطئة، والسرقات الأدبيَّة والاعتداء على حقوق الأداء العلني.
في الدَّوْرة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، اكتشف القرَّاء وجود روايات صيغت بالكامل بتقنيَّات الذكاء الاصطناعي، ولم يكلف القائمون عليها أنْفُسهم عناء مراجعة محتواها أو تدقيق سطورها قَبل الطباعة، فتركوا جملًا مسروقة من روايات شهيرة، وعبارات فجة، ليس لها علاقة بالنص، كما تمَّ استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم غلاف الروايات مجهولة الهُوِيَّة.
زملائي المترجمون يعانون من منافسة الذكاء الاصطناعي لهم في «لقمة عيشهم»، بعد استعانة كثير من الشركات والمؤسَّسات به، رغم عجز خوارزميَّاته عن محاكاة الروح الإبداعيَّة والخصوصيَّة الإبداعيَّة للُّغة العربيَّة، ويخرج النص المترجم هجينًا فاقدًا للعُمق الشعوري، ويحتوي جملًا مكررة مملَّة خالية من المعايير الدنيا للصياغة اللُّغويَّة، فضلًا عن الأخطار الَّتي يُمكِن أن تسببها الترجمة الحاسوبيَّة، في تفسير بند أو معنى معاكس، قد يكبِّد الشركة خسائر فادحة، خصوصًا في النواحي القانونيَّة التي تحتاج لمترجم متخصص.
لم يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على مجال بِعَيْنه، ومؤخرًا ولج مجال الرياضة، وأصبحت معظم الأندية والمنتخبات تستعين بمحلل أداء، يَقُوم بمراقبة أداء اللاعبين أثناء المباراة من خلال حاسوب محمول، متصل «لاسلكيًّا» بقميص صغير يرتديه اللاعب يحتوي على «حساس»، يبيِّن معدَّل اللياقة البَدنيَّة، ويتابع عدد التمريرات الصحيحة والمقطوعة ودقَّة التصويبات، والسعة الحيويَّة للاعبين داخل الملعب، هذه المعلومات يستعين بها المدرب في إدارة المباراة، وعمل التغييرات وتغيير خطّة اللعب، كما يقوم محلِّل الأداء قَبل المباريات، بتخزين المعلومات عن الخصوم، وتوضيح مكامن الضعف والقوَّة في الفِرق المنافسة، حتَّى ضربات الجزاء يتدخل فيها، بمعرفة الزاوية المعتادة الَّتي يتَّجه إليها الحارس، و»التكنيك» الَّذي يتَّبعه المسددون للضربات، لكن هذا لا يمنع أنَّ القرار الأول والأخير لمدرب الفريق.
مؤخرًا، قرر نادٍ روسي إقالة مدربه الإسباني؛ بسبب اعتماده المبالغ فيه على «شات جي بي تي» في سائر الأعمال والتفاصيل الفنيَّة واللوجستيَّة، فكان يستعين به لعمل جدول التمارين، وتخطيط الرحلات الخارجيَّة للفريق، الأمر الَّذي تسبَّب في إرهاق وإصابة عدد كبير من اللاعبين، حيث أشار عليه «جي بي تي» بترك اللاعبين مستيقظين قرابة 28 ساعة، كما استعان به في القرارات الفنيَّة والتشكيل والانتدابات، وفي اختيار لاعبين لم يساعدوا الفريق، بل كانوا سببًا في سوء نتائجه.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري