الاثنين 09 فبراير 2026 م - 21 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أصداف : «احتلال» رمادي فـي العراق

أصداف : «احتلال» رمادي فـي العراق
الأحد - 08 فبراير 2026 06:40 ص

وليد الزبيدي

10


لماذا يَجِبُ وصفُ «احتلالِ العراق» عام 2003 بأنَّه احتلالٌ رَماديّ؟

بِدُونِ شَكٍّ، يَحتاجُ الجوابُ عن ذلك إلى الخوضِ في الموادِّ الخاصَّةِ بهذا الجانب في «اتفاقيَّة لاهاي لعام 1907»، و»اتفاقيَّات جنيف الأربع لعام 1949»، والملحقاتِ الصادرةِ عام «1977». ويُمكِن القول إنَّ القائمين على صياغة الموادِّ فيهما قد تعمَّدوا صياغةَ النصوصِ الَّتي تُبقي تعريفَ الاحتلالِ ضِمن منطقةٍ رماديَّة، وهذا ما نحاول مناقشتَه.

لقد صيغت اتفاقيَّة لاهاي مطلعَ القرن العشرين، وقبيلَ الحرب العالميَّة الأولى، فيما صيغت اتفاقيَّاتُ جنيف بعد انتهاء الحرب العالميَّة الثانية. ورغم النقاشاتِ الكثيرة الَّتي خاضها علماءُ القانون الدّولي الإنساني، إلَّا أنَّ تعريفَ الاحتلال بقي على تلك الصياغات، رغم وقوعِ العديد من الحروب وما نجم عنها من احتلالاتٍ كثيرة خلال العقودِ اللاحقة.

ويُمكِننا القول إنَّ صياغةَ اتفاقيَّة جنيف الرابعة لعام 1949 جاءت منسجمةً مع نتائج الحرب العالميَّة الثانية، وبما يتَّسق مع مصالح الدول الكبرى الَّتي تقاسمت غنائمَ تلك الحرب. في حين تضعُ المادةُ «42» من لائحة لاهاي لعام 1907 حدودًا واضحةً لمفهوم الاحتلال، إذ نصَّت على: «تُعَدُّ أرضُ الدَّولة محتلَّةً حين تكُونُ تحت السُّلطة الفعليَّة لجيش العدوِّ». بَيْنَما ذهبت المادةُ الأولى من الفقرة الثانية في اتفاقيَّة جنيف الرابعة لعام 1949 إلى صياغةٍ يُمكِن تسميتُها بـ»احتلالٍ لا احتلال»، بما يمنح شرعيَّة أوسع لتجربتَي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالميَّة الثانية.

وفي التجربة العراقيَّة، واستنادًا إلى الفهم العميق للقانون الدولي، وبالتفسير الاجتماعي لِمَا ورد في المادَّة «42» من لائحة لاهاي، فإنَّ الصياغاتِ المعتمدة منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم «1483» بتاريخ 24 أيار/مايو 2003 لم تكن سوى محاولاتٍ لتغليف الحالة العراقيَّة بما يخدم السياسة الأميركيَّة.

كيف نفهم ذلك؟

حين تحدَّث بول بريمر في وقتٍ مبكر بعد وصوله إلى بغداد في 13 أيار/مايو 2003، خلفًا للجنرال جي جارنر، قال إنَّ تجربة العراق هي الأقرب إلى تجربتَي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالميَّة الثانية. وهذا أولُ تلاعبٍ بالمصطلحات القانونيَّة الدوليَّة؛ لأنَّه، وكما هو معروف، فإنَّ اليابانيين والألمان لم يُطلقوا طلقةً واحدة ضدَّ المحتلين. وعلى خلاف ذلك، فقَدِ انطلقت المقاومةُ في العراق منذ اليوم الأول للاحتلال، في العاشر من نيسان/أبريل 2003. كما أنَّ بريمر، وقُبيل مغادرته بغداد في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو 2004، أجاب عن سؤالٍ لمراسل قناة «CNN» الأميركيَّة حَوْلَ أول عملٍ سيقوم به بعد عودته إلى الديار، فقال: «سأنام»، لأنَّ هجماتِ الصواريخ لم تتوقف على المنطقة الخضراء يوميًّا. وهذا يؤكد عدمَ سيطرة قوَّات العدوِّ على الأوضاع الأمنيَّة.

وقد شملت عمليَّات المقاومة العراقيَّة الغالبيَّة العظمى من مناطق العراق. واعترف فريقُ «بيكر–هاملتون»، الَّذي زار العراق في تموز/يوليو 2006، في تقريره الصادر في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 2006، بأنَّ قوَّاتهم تتعرض في بعض الأيَّام لألفٍ ومئتي هجوم. كما جاء في تقريرٍ موسَّع لمكتب المحاسبة في الكونجرس أنَّ قوَّاتهم قد تعرضت لـ»183» ألف هجوم في العراق حتَّى نهاية تموز/يوليو 2008.

وبهذا المعنى، واستنادًا إلى القانون الدولي، فإنَّ توصيف الأوضاع في العراق لم يكُنْ احتلالًا بالمعنى الكامل، رغم الحالة «الرماديَّة» الَّتي أرادوا تغليفَ الوضع بها عَبْرَ تسمياتٍ غير دقيقة. وتترتب على ذلك أمورٌ كبيرةٌ ومهمَّةٌ وفْقَ القانون الدّولي.

وليد الزبيدي

كاتب عراقي

[email protected]