أصبحتْ تنمية الصَّادرات اليوم مقياسًا مباشرًا لقوَّة الاقتصاد وقدرته على الصمود داخل نظام تجاري عالمي شديد الاضطراب؛ فالعالم يُعِيد ترتيب قواعده بسرعة، والتعرفة الجمركيَّة تتحرك، ومتطلبات الامتثال تتوسَّع، وسلاسل الإمداد تتعرض لضغوط متواصلة، والأسواق باتَتْ تحاسب الدول على دقَّة التسليم، وثبات الجودة، وكفاءة التكلفة. وعليه، فإنَّ حجم الإنتاج لم يَعُدْ كافيًا لتأمين موقع تنافسي، كما أنَّ القِيمة الحقيقيَّة تقاس بقدرة المصنع على تحويل ما يُنتجه إلى شحنة تصل في موعدها، مستوفيةً للمعايير، وقابلةً للقَبول في أسواق شديدة الحساسيَّة. كما أضحى التصدير فعلًا تشغيليًّا كاملًا، يبدأ من تصميم المنتَج، ويمرُّ بإدارة العمليَّات، وينتهي عِندَ بوَّابة السوق الخارجيَّة.. والصناعة الَّتي تكتفي بالإنتاج تظلُّ حبيسة الداخل، والموقع الصناعي يقاس اليوم بقدرته على إدارة الزمن والامتثال واللوجستيَّات في آنٍ واحد.. من هنا تتقدم تنمية الصَّادرات إلى صدارة التَّفكير الاقتصادي؛ باعتبارها أداة استقرار طويلة الأمد، ومسارًا عمليًّا لربطِ الاقتصاد الوطني بحركة التجارة العالميَّة على أساس الأداء والكفاءة.
لقد أضحتِ المنطقة الاقتصاديَّة الخاصَّة بالدقم نموذجًا عمليًّا لترجمة مفهوم تنمية الصَّادرات من إطار نظري إلى ممارسة تشغيليَّة دقيقة على الأرض؛ فتنظيم جلسة «صُنع في الدقم» ضِمن برنامج «الدقم الآن» يعكس وعيًا بأنَّ التنافسيَّة الصناعيَّة لا تُبنى بالشعارات ولا بالمزايا الترويجيَّة، لكن تُبنى عَبْرَ إدارة التَّفاصيل الَّتي تفصل بَيْنَ منتَج يُصنع محليًّا ومنتَج قادر على الوصول إلى الأسواق العالميَّة بثقة وانتظام، والتَّركيز على رحلة المنتَج من المصنع إلى السَّفينة يضع جوهر المعادلة في مكانه الصَّحيح، حيثُ تتحول اللوجستيَّات، وسلاسة الإجراءات، وثبات المعايير إلى عناصر إنتاج موازية لخطوط التَّصنيع نفْسها. فالدقم تقدّم هنا بوصفها منصَّة تصدير متكاملة، تقاس قِيمتها بقدرتها على تقليص الزمن التشغيلي، وضبط الامتثال، وتسريع حركة البضائع دُونَ اختناقات أو مفاجآت تشغيليَّة، وهذا التَّوَجُّه ينقل الصناعة من منطق الاكتفاء بالسوق المحلِّي إلى منطق الانخراط الواعي في سلاسل التِّجارة الدوليَّة، ويُعِيدُ تعريف الموقع الصناعي كحلقة وصل فعَّالة بَيْنَ التَّصنيع والأسواق، لا مساحة جغرافيَّة تنتظر الاستثمار.
تُعزِّز الأرقام الرسميَّة هذا التحوُّل من مستوى الرُّؤية إلى مستوى النَّتائج، حيثُ تكشف مؤشِّرات التِّجارة الخارجيَّة عن تنامي دَوْر الصَّادرات غير النفطيَّة بوصفها نتاجًا مباشرًا لكفاءة التَّشغيل وانتظام الأداء.. فوصول الصَّادرات السلعيَّة إلى (19.3) مليار ريال عُماني خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، وارتفاع الصَّادرات غير النفطيَّة إلى (5.6) مليار ريال بنسبة نُمو لافتة، كما يُعَبِّر عن توسُّع حقيقي في قاعدة الإنتاج القابل للتَّصدير، وعن قدرة متزايدة على الالتزام بمتطلبات الأسواق الخارجيَّة.. إنَّ هذه الأرقام تعكس تحسُّنًا في جودة الإدارة الصناعيَّة وربط التَّصنيع بسلاسل الإمداد والتَّسليم؛ وبالتَّالي فإنَّ الأداء التَّصديري هنا نتيجة منظومة تعمل بانسجام، من المصنع إلى الميناء، ومن الوثائق إلى الجداول الزمنيَّة. هذا المسار يرسِّخ فكرة أنَّ تنمية الصَّادرات ترتبط بالانضباط التَّشغيلي أكثر من ارتباطها بالدَّوْرات السعريَّة أو الظُّروف المؤقَّتة، ويمنح الاقتصاد الوطني مصدر قوَّة مستدامًا يعتمد على انتظام التدفُّق التِّجاري وقدرته على التوسُّع بثقة داخل أسواق شديدة التَّنافس.
إنَّ جلسات «الدقم الآن» تكتسب بُعدًا يتجاوز النِّقاش القِطاعي، لِتصبحَ جزءًا من مسار وطني يُعِيدُ صياغة علاقة الصناعة بالاقتصاد الكُلِّي؛ فالتَّركيز على مؤشِّرات الأداء، وتقليص الزَّمن التَّشغيلي، وضمان استمراريَّة عمليَّات التَّصدير، يعكس إدراكًا بأنَّ المنافسة الصناعيَّة الحديثة تحسم داخل تفاصيل التَّشغيل لا عِندَ حدود التَّخطيط، كما تمتلك الدقم مُقوِّمات تؤهلها للقيام بهذا الدَّوْر، من موقعها على بحر العرب وقربها من خطوط الملاحة الدوليَّة، إلى بنيتها اللوجستيَّة المصمَّمة لخدمة التدفُّق التِّجاري طويل الأمد، والرِّهان يتَّجه نَحْوَ بناء بيئة صناعيَّة تنتج بثقة وتصدِّر بانتظام وتتكيف مع متطلبات الأسواق المتغيرة.. بهذا المعنى تتحول الدقم إلى أداة اقتصاديَّة لإدارة المخاطر التجاريَّة وتعزيز استقرار الصَّادرات غير النفطيَّة، وتغدو تنمية الصَّادرات خيارًا استراتيجيًّا يعكس انتقال الاقتصاد الوطني من منطق التوسُّع الكمِّي إلى منطق الجودة والكفاءة والاستدامة.