كشف الادعاء العام مشكورا في مؤتمره السنوي، المنعقد في الثاني من فبراير 2026 بشعار «الشعور بعدالة الإجراء»، عن جملة من المؤشرات والإحصاءات المتعلقة بالقضايا الجرمية المسجلة خلال عام 2025، والتي أظهرت ارتفاعًا لافتًا في مختلف أنواع الجرائم، خصوصًا الجرائم المرتبطة بالقوانين والجرائم الواقعة على الأموال، بما يعكس تحولات عميقة في بنية السلوك الجرمي ويستدعي مراجعة معمقة تتجاوز الأرقام إلى دلالاتها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية.
وقد بلغ إجمالي القضايا الواردة إلى الادعاء العام خلال عام 2025 (55,164) قضية، بارتفاع نسبته 19% مقارنة بعام 2024، توزعت بين (52,553 ) جنحة، و( 2,593 ) جناية، و(18) قضية أخرى، مع نسبة إنجاز مرتفعة بلغت (98.4%). كما ارتفع عدد المتهمين إلى (73,391) متهمًا بنسبة (24.7%)، شكل الذكور منهم (89.2%)، والأحداث (1.6%)، فيما بلغت نسبة الأجانب (47.5%)، وهي نسبة تحمل دلالات بالغة الأهمية على مستوى الأمن الاجتماعي وسوق العمل.
وعلى مستوى تصنيف الجرائم، تصدرت الجرائم المرتبطة بقانون العمل قائمة الجرائم الأكثر تسجيلًا بعدد (22,309) قضية وبنسبة (25.7%)، تلتها جرائم الشيكات (10,482) بنسبة 12.1%، ثم جرائم قانون إقامة الأجانب (9,493) بنسبة (10.9%)، وجرائم الاحتيال (6,765) بنسبة (7.8%)، وجرائم السرقة وابتزاز الأموال (4.166) بنسبة (4.8%)، وجرائم قانون المخدرات والمؤثرات العقلية (4.131) بنسبة (4.8%)، والجرائم الماسة بحرية الإنسان وكرامته (4.048) وبنسبة (4.7%)، ثم جرائم تقنية المعلومات والمعاملات الإلكترونية (3.834) وبنسبة (4.4%)، وجرائم قانون المرور (3.723) بنسبة (4.3%) وأخيرًا جرائم قانون حماية المستهلك (3.689) بنسبة (4.2%)، أما جغرافيًّا، فقد تصدرت محافظة مسقط عدد القضايا (23,748) ومحافظة شمال الباطنة (10,744) تليها محافظة ظفار (6179).
عليه، فإن القراءة المتأنية لما كشف عنه الادعاء العام في مؤتمره السنوي من حقائق نوعية وإحصاءات مفصلة حول الواقع الجرمي في سلطنة عُمان، تشير إلى أننا أمام مرحلة جديدة في فهم السلوك الجرمي، مرحلة تتجاوز توصيف الظاهرة إلى تبنّي آليات وطنية فاعلة لتوظيف هذه المؤشرات كنقطة انطلاق لبناء مسار وطني متكامل، يعيد رسم آليَّات التعامل مع الجريمة، ويؤسس خريطة عمل واضحة للمواجهة، في ظل الاتجاه المتصاعد نحو الجرائم الواقعة على القوانين والجرائم الواقعة على الأموال. فهذه المؤشرات، على الرغم مما حملته أحيانًا من صدمة للرأي العام، تعكس مستوى خطورة يستوجب أعلى درجات اليقظة والجاهزية والاستعداد، وبناء سيناريوهات مدروسة للتعامل معها، في إطار من الحكمة والوعي والذكاء المؤسسي، بما يعزز الانتقال من منطق ردود الفعل الجزئية إلى العمل الجمعي المنظم، القائم على التشخيص الدقيق، والاستباقية، والوقاية.
ويمكن قراءة هذه المعطيات في المرتكزات الآتية:
- تأكيد مبدأ الشراكة والتكاملية والابتكارية بين مختلف المؤسسات الحكومية والأهلية، وتعظيم أدوات التشخيص والحدس الاستباقي في قراءة المؤشرات الجرمية. فالارتفاع المسجل في هذا النوع من الجرائم لا يمكن اعتباره ظاهرة عابرة، أو سلوكًا وقتيًّا، بل يحمل في طياته دلالات عميقة تتطلب الوقوف الجاد عند أسبابها ومسبباتها، واحتواء أدواتها، ضمن إطار عمل وطني مشترك ومسار استراتيجي تشاركي تتوزع فيه الأدوار وتتكامل فيه المسؤوليات. وما يواجهه المجتمع اليوم من تحديات تمس منظومة الأمن الاجتماعي والهوية والقيم والسَّمت، بات يطلق إشارات إنذار حقيقية، خصوصًا مع ما تظهره المؤشرات من أن الجرائم المرتبطة بالقوانين ثم الجرائم المرتبطة بالأموال تسير في مسار تصاعدي متوازٍ منذ أكثر من عقد. وهذا الواقع يفرض إعطاء الأولوية للبعد القانوني والتشريعي وموجهاته الضابطة، إلى جانب البعد الاقتصادي والمالي، وتعظيم الجهد الوطني المؤسسي والفردي للحد من هذا التنافس الخطير بين المسارين، نظرًا لتأثيراتهما العميقة وتداعياتهما على مختلف المنظومات الاجتماعية والاقتصادية.
- إعادة تشخيص الحالة الاقتصادية في إطار المنظومة الاجتماعية والأمنية، باعتبارها جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي الوطني، وليست حالة منفصلة عنه. ذلك أن نجاح أي سياسات أو توجهات اقتصادية مرهون بمدى مراعاتها لقيم المجتمع العُماني، وهويته، وظروفه الاجتماعية، ومستوى الدخل، والحالة المعيشية للمواطن، بحيث تأتي الممارسة الاقتصادية متناغمة مع الإطار الوطني العام، ولا تُحدث خللًا في الثوابت والمرتكزات الأصيلة. ولا يكفي في هذا السياق الاعتماد على الدراسات النظرية أو الأدوات التحليلية التي قد تقدم قراءات غير واقعية أو مضللة، بل تبرز أهمية الوقوف عند محطات التحول التي يعيشها الإنسان العُماني، وما يواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية ومعيشية واستهلاكية، وما يرتبط بها من عادات وتقاليد وضغوط حياتية. ولعل ما يعزز حديثنا عن هذه النقطة تحديدًا يكمن في تزداد أعداد الفئات، كالأسر المعسرة، والأسر محدودة ومتوسطة الدخل، والأسر التي سُرِّح عائلها من العمل، والمتقاعدين من الدرجات المالية المتدنية، والمسرحين الذين تراكمت عليهم الالتزامات الأسرية والاجتماعية، من قروض وإيجارات وغيرها، فضلًا عن الأسر التي تحتضن أكثر من باحث عن عمل غير مشمولين بمنظومة الحماية الاجتماعية. هذه الفئات تشكل اليوم رقمًا صعبًا في معادلة البناء الاجتماعي والحماية الاجتماعية، واستيعاب ظروفها الاقتصادية وإدماجها ضمن منظومة حماية اجتماعية فاعلة من شأنه أن يقلل من حجم الممارسات الاقتصادية غير المشروعة والظواهر التي ترفع من تصنيف الجرائم الاقتصادية. وفي المقابل، فإن تصدر الجرائم المخالفة للقوانين المشهد الجرمي في عام 2025 يعكس خطورة ملف العمالة الوافدة، لا سيما العمالة السائبة، رغم الجهود الضبطية المبذولة، وارتباط ذلك بجرائم قانون العمل وقانون إقامة الأجانب.
- إن فهم أكبر للعلاقة المعقدة بين ممارسة السلوك الجرمي والدوافع المؤدية، يتطلب المزيد من العمق في سبر تفاصيل هذه الجرائم وقراءة ما بين السطور، كما يؤكد اليوم على دور أكبر وأكثر عمقًا للإحصاءات الوطنية، بحيث لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تكشف دلالات ما بين السطور، وتبرز خفايا التفاصيل الدقيقة المرتبطة بالسلوك الجرمي. ودور الدوافع الاقتصادية والحاجة إلى المال في انتشار هذه الظواهر، إضافة إلى الحاجة لمتغيرات أعمق تتناول الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والفكرية والتعليمية للجناة. فإن إظهار هذه المعطيات بشكل أوضح في الإحصاءات من شأنه أن يساعد في فهم العلاقة بين المتغيرات المختلفة ومستوى حضورها في السلوك الجرمي، وهو ما يلقي على عاتق المركز الوطني للإحصاء والمعلومات مسؤولية إعادة إنتاج مسار المعلومات الاقتصادية والاجتماعية، وتعظيم دور المؤشرات الاجتماعية في إنتاج حلول نوعية وخيارات أوسع تدعم صناعة القرار.
- وفي السياق نفسه يبرز التساؤل: إلى أي مدى يمثل البعد الاقتصادي حضورًا واسعًا في هذه الجرائم؟ خصوصًا أن الجرائم المخالفة للقوانين والجرائم الواقعة على الأموال ترتبط في جوهرها بالتحولات الاقتصادية والظروف المعيشية للجناة، ويستدعي ذلك البحث عن معالجات جادَّة وشراكات عملية للحدِّ من مخاطر السلوك الجرمي وتأثيره على النسيج الاجتماعي والهوية العُمانية والقيم الأخلاقية، لكون اتساع الجريمة الاقتصادية لا يقتصر أثره على الفرد، بل يمتد إلى المجتمع والمصالح الوطنية العليا، مهددًا الاقتصاد الوطني، والأمن الاجتماعي، والاستقرار النفسي، والاستثمار والإنتاج. فالجريمة الاقتصادية من أبرز العوامل التي تعيق جهود التنمية وتقلل من فرص الاستثمار، وتزيد من الهدر ما يدفع إلى إنفاق موارد كبيرة لتعزيز الأمن المعلوماتي والسيبراني، في ظل تطور أنماط الاحتيال وارتفاع خسائرها.
- تكشف نسبة المتهمين الوافدين البالغة (47.5%) عن دلالات خطيرة تتعلق بمخاطر العمالة الوافدة، ولا سيما السائبة، على المنظومة الأمنية الشاملة، فهذه الفئة، بحكم خروجها عن القانون، تسعى إلى تحقيق مكاسب سريعة بوسائل غير مشروعة، بما لذلك من آثار سلبية على استقرار سوق العمل وسمعته، وانتشار أنماط اقتصادية مشوهة كالتجارة المستترة، والاحتكار، والسوق السوداء، والغش التجاري، والمنافسة غير المتكافئة، والتهرب الضريبي. وهو ما يؤكد الحاجة إلى سياسات وطنية واضحة لتعقب العمالة المخالفة، وسد الثغرات التي تسهم في انتشارها، وإعادة هندسة هذا الملف على أساس عمل منظم ومدروس مع تفعيل أدوات الرقابة، والتوعية، والرصد، وتعزيز الحس الأمني المجتمعي.
أخيرًا فإن مواجهة التحولات المتسارعة في السلوك الجرمي تتطلب عملًا وطنيًّا مشتركًا يقوم على بناء استراتيجيات منتجة تستند إلى كفاءة البيانات ودقتها وتحديثها المستمر، واستخدام أدوات فاعلة لرصد الواقع وتحليل التحولات في أنماط الجريمة ودوافعها وأسبابها. ويقتضي ذلك تبني سياسات وطنية أكثر شمولًا واعتدالًا في قراءة منظومة الحماية الاجتماعية، بما يضمن استيعاب مختلف الفئات، وتعزيز التكافل الاجتماعي، ورفع جودة حياة المواطن، إلى جانب توجيه الإجراءات الاقتصادية بما يحفظ تماسك النسيج الاجتماعي، ويصون روح الانتماء والولاء الوطني. كما تبرز أهمية المراجعات الدورية للسياسات الاقتصادية السابقة، باعتبارها آليَّة وقائية تحمي المواطن من الانزلاق نحو ممارسات وسلوكيات غير مشروعة، وتؤسس لإطار وطني منظم لدراسة الظواهر الجرمية، وتشخيص مخاطرها وآثارها وسيناريوهات التعامل معها، ومراجعة التشريعات والقوانين القائمة – خاصة المرتبطة بالعمل والإقامة – وتطويرها بما ينسجم مع المستجدات، ويحد من استغلالها في تنامي هذه الممارسات، ويعزز قدرة الدولة على إدارة هذا الملف بكفاءة واستدامة.
د.رجب بن علي العويسي