كانت الجداول تنساب من بَيْنِ نتف الثلج الذائبة جدولًا إثر آخر، مُشكِّلةً نهرًا متدفقًا صافيًا عذبًا، فيما تكتسي قمم الجبال طبقات بيضاء تنعكس عليها أشعة الشمس فتتحول إلى سبائك فضيَّة تتلألأ في فضاء مشبع بجماليَّات الطبيعة وتألقها المذهل. استثمرت «قوبا» سياحيًّا بتشييد الفنادق والمطاعم والمنتجعات السياحيَّة، وتقديم خدمات التلفريك والملاهي وألعاب الأطفال، وغيرها من المغريات واحتياجات السائح الَّتي تتنوع وتكتمل وتغني المنطقة بموارد ماليَّة تسهم في التنوع وتوفر الوظائف... «قوبا بلاس» وحده يحتل مساحات شاسعة على ربوة استثمرت لبناء فندق فخم وشاليهات ومَرافق ترفيهيَّة استجماميَّة، ومطاعم ومقاهٍ لخدمة المُقِيمين فيه، وبسبب تفرُّد نمطه المعماري وخدماته الراقية وإطلالاته البانوراميَّة تحوَّل إلى مقصد رئيسٍ للسيَّاح الَّذين يزورون مقاطعة «قوبا». جبل «شهداج» الَّذي يكتسي بالثلوج، ويُعَدُّ أبرز موقع سياحي طبيعي في أذربيجان، يقدِّم للباحثين عن الترفيه والاستجمام والراحة حزمة من الخدمات ومفردات الجَمال ورياضة المغامرات والمنتجعات الفخمة، والملاهي والمطاعم والمقاهي والتزلج على الجليد، والتلفريك الَّذي ينقل السيَّاح إلى القمم في أوقات يسرح فيها الخيال مع عجائب الطبيعة وتقلُّباتها وجَمالها المدهش بَيْنَ صفو وشمس تتلألأ داخل الضباب، وسُحب محمَّلة بالثلوج والمطر، ورذاذ خريفي تشبعت الأرض بمائه فشكَّلت جداول تتدفق نَحْوَ مجاري الأودية والأنهار الَّتي تنتظر أشْهُرًا قادمة قَبل أن تذوب الثلوج فتستعيد نشاطها وجريانها القوي. نودِّع نهار يومنا والسماء صافية والشمس والقمر والنجوم تضيء الكون، ويصبح علينا اليوم الثاني فإذا الأرض يلفُّها البياض وتغطِّيها الثلوج ويغمرها الصقيع، في مشهد خرافي يُعبِّر عن تحوُّلات الطبيعة السريعة في بُلدان منطقة القوقاز. هذه الأمواج المتدافعة من البشر الَّذين نمتزج في بحرهم الهائج، ونصبح بعضًا منهم، نموذج العالم في حيِّز صغير مساحته، عميق في معناه ودلالاته، تعبير عن التحوُّلات السريعة والهائلة الَّتي يشهدها عصرنا، في أوقات السفر، في الطائرة وقاعات ومَرافق المطار، في الفندق والموقع السياحي والسوق... يكشف لنا عالم التدفق عن عصر العولمة وثورات الذكاء الاصطناعي والتقنيَّة ووسائل التواصل والإعلام الإلكتروني... فهذا الحشد البشري الَّذي ينتمي أفراده إلى دول ومذاهب ومُجتمعات وشعوب وأعراق ومدارس وأديان وشرائح... تعبير صادق ودقيق لها، وهم في ذات اللحظة في حالة تواصل وحوار وإنجاز، وتبنِّي أفكار ومشاريع وأعمال ومتابعة الأحداث أولًا بأول، مع العالم الخارجي، فيما يتعايشون ويمتزجون ويتفاعلون بطُرق شتَّى في لحظتهم الآنيَّة، ولكُلٍّ منهم هدف ومسعى ووجهة، يلتقون ويفترقون، وقد تتوافر المصادفات والفرص للقاءات تتجدد، وقد تحلُّ محلَّهم وجوه وسحنات وأسماء أخرى، فيا لهذا العالم ما أضيقه وأصغره، وما أفسحه وأوسعه، ويا للعلم الَّذي أحدَث كُلَّ هذه التحوُّلات العميقة والمتسارعة والهائلة، نعيش عصرًا تتغيَّر فيه القِيَم والثقافات والتطلُّعات والرؤى والأفكار والتعامل مع الأشياء في اليوم الواحد بما لم يحدُث عَبْرَ أجيال وعصور في أزمنة الآباء والأسلاف.. والسَّفر يوفِّر لنا الفرصة، ويقدِّم لنا المشهد، ويقرِّب إلينا الصورة، ويحفِّزنا على التقاط الملاحظات، وفَهْم وقراءة التحوُّلات والمنعطفات الَّتي نعيشها.. مطار «حيدر علييف»، الدّولي، فخم ذو تصاميم معماريَّة ولوحات جماليَّة مريحة، يليق بدَولة نفطيَّة متقدِّمة، الحركة فيه نشطة والسياحة مزدهرة، والإجراءات سهلة وموظفو المطار يتعاملون مع المسافر بلُطف وروح مرحة مشبعة بالدعابة، والتأشيرات يستخرجها الزائر لباكو آليًّا، ويدفع قِيمتها بسهولة ويُسر لا تستغرق دقيقة واحدة. الموسيقى والرقص والأغاني التقليديَّة تصدح في الساحات والأسواق الشَّعبيَّة والحدائق العامَّة والشوارع السياحيَّة النشطة، ومعارض الفنون تعرض أجمل اللوحات الَّتي تنتمي إلى مدارس وثقافات تتميَّز بالتنوع والبراعة، والمكتبات وأكشاكها جزء أساسي من نشاط السوق، الفنون الجميلة والموسيقى الملهمة والثقافة الرفيعة انعكست على جَمال باكو وعلى سكَّانها الَّذين يمتلكون روح الدعابة والمرح ولباقة التعامل والقدرة السريعة على بثِّ الطمأنينة والبهجة في نفس السائح، والحوار معه والتعارف السريع وصناعة صداقة تتسع باستمرار ...الكثير من المطاعم والمقاهي والمحالِّ التجاريَّة في شارع نظامي وساحة النوافير، والمدينة القديمة تقع تحت الطوابق الأرضيَّة السفليَّة، في بيوت وقصور قديمة رُمِّمت وهُيِّئت لِتكُونَ جاذبة للجمهور، وتقدِّم في الوقت ذاته خدمات متعدِّدة ومن بَيْنِها مطاعم ومقاهٍ مثيرة للإدهاش.. الأسعار في أذربيجان مريحة ليست بذلك الفحش في إرهاق المسافر والسائح، وهي واحدة من أسباب الانتعاش السياحي في هذا البلد المتنوع والجميل... فخامة المتاحف والمجمَّعات والأسواق التجاريَّة، ومراكز المؤتمرات والمعارض، والرياضة والثقافة والفنون، والكثير من مؤسَّسات الحكومة والأعمال، وحداثة العمارة وجودة البنى الأساسيَّة والشوارع وأناقة وفتنة الحدائق والجنائن ومفردات الجَمال الَّتي تطلُّ وتنتشر في جميع أنحاء باكو تُعبِّر عن ازدهار هذا البلد ومتانة ونُمو اقتصاده، ونجاح التخطيط والرؤى الاستراتيجيَّة إعدادًا وتنفيذًا؛ فالفخامة والبذخ تبهر السائح وتثير ذهوله. ويصنَّف مركز «حيدر علييف» لفنون المسرح، مفخرة المعماريَّة العراقيَّة «زها حديد»، واحدًا من أجمل وأفخم مباني العاصمة الأذربيجانيَّة، وأكثرها جذبًا وبذخًا، إنَّه أشْبَه بطائر أسطوري يستعد للطيران، أو حوت ضخم يمخر عباب البحار والمحيطات فارضًا هيبته وسطوته على كُلِّ مَن حَوْلَه. فلا عجب أن يتجمع السيَّاح لالتقاط أجمل الصوَر من أمام مبانيه ومرافقه. العمارة والحارات والمباني القديمة، التقاليد والأصالة وروافد الثقافة الَّتي تأسَّس عليها الشَّعب الأذربيجاني، الفنون والآداب والتاريخ وروح المدينة الَّذي يتجلى في المناسبات والسَّاحات والشوارع النشطة، تسير جنبًا إلى جنب في انسجام وتوادّ وتمازج وتناسق مع الحداثة والعصرنة والتقدُّم وتطوُّر العمارة ومتانة البناء وجودته، لِتجعلَ من المُدن الأذربيجانيَّة غاية في الجَمال والزهو والأناقة.. أذربيجان بلاد آمِنة، لا يتعرض السائح فيها لابتزاز وسرقة واستغلال، يتنقل في اطمئنان وراحة ليلًا ونهارًا دُونَ أن يتدخل في شؤونه أحد، والشوارع والأسواق والمواقع السياحيَّة معافاة من المتسوِّلين وأولئك الَّذين يفتعلون المشاكل ويستثمرون الفرص لاختلاس حقائب وهواتف السيَّاح كما يحدُث في دول كثيرة، وهي من أهم المحفِّزات لزيارة أذربيجان، وسبب أساسي لازدهار السياحة فيها...
سعود بن علي الحارثي