تابعت باهتمام صباح الأحد الماضي لحظة هبوط أول رحلة تجارية للخطوط الجوية السودانية في مطار الخرطوم الدولي بعد غياب قرابة الثلاثة أعوام منذ اندلاع الحرب التي دمرت الكثير ما عدا عزيمة أهل السودان الذين نأمل أن يسهم استيعابهم لدروسها في الدفع نحو إعادة اللحمة ورتق النسيج الاجتماعي في وطن يسع الجميع.
ومع هبوط طائرة سودانيىر ارتسمت الفرحة على وجوه ركابها المائة وستين القادمين من بورتسودان ومستقبليهم الذين علت زغاريدهم معلنة عودة «وطن» تعلقت به قلوب أهله.
فقد علت أصوات الحضور المستقبلين مرددين أبياتًا من مقاطع راسخة بنفوسهم وخلدت حبهم لبلادهم مثل: «بلادي يا سنا الفجر… وينبوع الشذى العطري» وقولهم «سلام أنت ألحاني وحلمي في الهوى العذري» و»بلادي رعتني أرضها طفلًا… فكيف أسومها غدري» . كما رددوا بحماس : «عزيزٌ أنت يا وطني .... رغم قساوة المحن، ورغم ضراوة التيار.....سنمضي نحن يا وطني لنعبر حاجز الزمن».
ورغم أن خراب الدول بتهديم مؤسساتها وتهجير أهلها يعتبر من أسوأ تجارب الحضارة الإنسانية، إلا أنه ووفق نظرية الاستجابة الظرفية للأزمات للباحث الأميركي ويليام تيموثي كومبس، يعتبر هبوط هذه الرحلة في ظل دوران رحى الحرب بأجزاء أخرى من البلاد، هو رمز حيّ لقدرة السودانيين على تجاوز المحن مهما تعقدت وفرصة لاستنهاض الهمم لإعادة بناء السودان الذي أقعدته الفتن منذ استقلاله حتى اليوم.
وبقراءة المشهد استنادًا لنظرية الاستجابة نفسها التي ترى بأن القرارات في سياق الأزمات المعقّدة لا يتم اتخاذها بناءً على اكتمال الشروط المثالية، بل وفق موازنة دقيقة بين كلفة الفعل وكلفة الامتناع عنه، يتبين بأن الامتناع الكامل عن إعادة فتح المطار وإن كان أكثر أمانًا بحسابات التحسب إلى ما قد يقع من هجمات، فإن ذلك الامتناع قد يحمل في طياته آثارًا سياسية واقتصادية ومعنوية تفوق أحيانًا مخاطر التشغيل الجزئي.
وبهذا السياق يمكن فهم إعادة تشغيل المطار كجزء من استراتيجية استجابة، خصوصًا وأن المطار ليس مجرد منشأة خدمية، بل رمز سيادي وسياسي.
لذلك فإن استمرار تعطيله يعني عمليًّا ترسيخ صورة العاصمة المعطلة، وتكريس سردية انهيار مؤسسات الدولة، وهو ما ينبغي العمل على تفاديه، لذلك فإن قراءة هذه الخطوة خارج الانفعال السياسي ومن خلال عدسة نظريات إدارة الأزمات، تكشف بأنها ليست خطوة ارتجالية بقدر ما هي استجابة محسوبة لمنطق إدارة الأزمة والسعي لإيجاد الحلول اللازمة لها.
وعليه ما حدث الأحد الماضي بقلب الخرطوم يشير دون أدنى شك إلى قدرة السودان على كسر عزلة الأجواء المدنية، واستعادة السيطرة على مطاره الرئيسي، فضلًا عن أنها رسالة بأن المطار الرئيسي لم يعد خارج المعادلة، خصوصًا وأن الدول التي تعيش نزاعات يقاس مستوى صمودها بالقدرة على السيطرة على المطارات والموانئ كونها تمثل رمزية الدولة وحضورها.
كما أن ارتفاع صدى زغاريد ليس مجرد فرحة عابرة، بل إعادة تأكيد باستعادة الشعور بأن الخرطوم ليست ذكرى مؤلمة، بل مدينة حية قابلة لاستيعاب مواطنيها لإعادة أعمارها، ولكن على أمل أن لا تكون الخرطوم. كما يرى الاقتصاديون المقصد الأساسي لممارسة الأنشطة الاقتصادية الحيوية مثلما كانت من قبل حين هجر الناس الريف الذي يفترض أن يكون عصب التنمية والإنتاج وأساس الازدهار الاقتصادي.
لذلك فإن هذه الرحلة التجارية رغم أنها لا تغير الأرقام الاقتصادية الكبرى، لكنها تفتح مسارًا حيويًّا للمواطنين بمختلف مجالات أعمالهم وتعيد ربط المركز بالأقاليم، فكل رحلة لاحقة لها ستسهم في تقليص كلفة الزمن بعد الحرب، آملين استمرار رحلات الطيران بأجواء آمنة، وأن يتمكن الشعب السوداني من فهم دروس الحرب؛ وبالتالي تجاوز مراراتها ووضع السودان الوطن الواحد في حدقات العيون بكُلِّ تجرد.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»