الأحد 08 فبراير 2026 م - 20 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الوساطة العُمانية.. سياسة ثابتة لصناعة الاستقرار

السبت - 07 فبراير 2026 03:43 م

رأي الوطن

10


تأتي استضافة سلطنة عُمان للمحادثات بَيْنَ الولايات المتحدة الأميركيَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة بوصفها تعبيرًا أصيلًا عن ثابتٍ راسخ في السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة، ثابت تشكَّل عَبْرَ عقود من العمل الهادئ، وتَراكُم الثقة، وإدارة التوازنات دُونَ ضجيج، فهذا الدَّوْر لا يُقرأ كاستجابة لظرف إقليمي، ويُفهم باعتباره خيار دَولة أدركت مبكرًا أنَّ الاستقرار يُصنع عَبْرَ الحوار، وأنَّ خفض منسوب التوتُّر يُمثِّل استثمارًا طويل الأمد في أمن المنطقة. ومن هذا المنطلَق، تبدو مسقط مساحة سياسيَّة مختلفة، تُغلق فيها أبواب الاستقطاب، وتُفتح فيها قنوات التواصل بعيدًا عن لُغة التهديد، وهو ما منحها أهليَّة الوسيط المقبول من أطراف متعارضة المصالح.. والإشادة الخليجيَّة والعربيَّة باستضافة هذه المباحثات تعكس إدراكًا جماعيًّا لقِيمة هذا النهج، وتمنح الدَّوْر العُماني بُعده السيادي، كدَوْر نابع من قناعة راسخة بأنَّ الدبلوماسيَّة الهادئة أكثر قدرة على حماية المنطقة من كلفة الانفجار، هكذا تواصل سلطنة عُمان ممارسة سياستها الخارجيَّة كفنٍّ لإدارة الخلاف، لا كمنصَّة لاصطفاف، مؤكدةً أنَّ الثوابت حين تُبنى على الحكمة تصمد أمام أعنف العواصف.

يكشف الترحيب الإقليمي والدولي المتواتر، باستضافة سلطنة عُمان لهذه المفاوضات عن إجماع سياسي يتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسيَّة، ويتصل بإدراك عميق لحساسيَّة اللحظة الإقليميَّة وحاجتها إلى مسارات تهدئة موثوقة، فإشادة الأمانة العامَّة لمجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة بالدَّوْر العُماني تُعبِّر عن قناعة مشتركة بأنَّ مسقط تُمثِّل ركيزة استقرار في محيط تتسارع فيه عوامل التوتُّر، وأنَّ ما تَقُوم به السَّلطنة يصبُّ في صميم أمن الخليج ومصالحه طويلة الأمد، كما أنَّ الترحيب العربي بِدَوْره يضيف بُعدًا عربيًّا أوسع لهذا المشهد، ويعكس توافقًا على أنَّ الوساطة العُمانيَّة باتتْ إحدى أدوات الوقاية السياسيَّة في المنطقة. فهذا الإجماع الَّذي يلتف حَوْلَ مسقط، يُشير إلى تحوُّل نوعي في النظرة إلى الدبلوماسيَّة الهادئة، بوصفها أداةً قادرة على تجنيب المنطقة كلفة التصعيد، وحماية شعوبها من رهانات المغامرة. في هذا السياق تبدو الوساطة العُمانيَّة جزءًا من معادلة إقليميَّة تسعى إلى تثبيت الاستقرار عَبْرَ الحوار، وتُدرك أنَّ إدارة الخلاف بحكمة تُمثِّل اليوم الخيار الأكثر واقعيَّة في بيئة إقليميَّة شديدة الهشاشة.

إنَّ فلسفة الوساطة العُمانيَّة تتجلى بوضوح في الطريقة الَّتي أُديرت بها المشاورات المنفصلة مع الوفديْنِ الأميركي والإيراني، حيثُ قاد معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي حوارًا هادئًا يركِّز على صناعة المناخ السياسي قَبل الدخول في تفاصيل الملفَّات، وعلى تثبيت منطق التفاهم قَبل البحث في صيغ الاتفاق. هذا النهج يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة النزاعات المعقَّدة، الَّتي لا تُحل عَبْرَ ضغط النتائج أو سباق التصريحات، وإنَّما عَبْرَ بناء أرضيَّة نفسيَّة وسياسيَّة تسمح باستمرار الحوار.. في هذا الإطار تتحرك مسقط بوصفها مدير إيقاع لا طرفًا مستعجلًا، تُوازن بَيْنَ الحساسيَّة السياسيَّة لكُلِّ طرف، وتُدرك أنَّ أيَّ اختراق حقيقي يبدأ من خفض التوتُّر وتهيئة القنوات الفنيَّة والدبلوماسيَّة للعمل. أهميَّة هذا الدَّوْر تكمن في قدرته على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، وحماية المسار من الانهيار تحت وطأة الحسابات الداخليَّة والضغوط الخارجيَّة، هكذا تتحول الوساطة العُمانيَّة إلى ممارسة دقيقة لإدارة الخلاف، تَقُوم على الصبر السياسي، وضبط اللُّغة، وتقديم الحوار كخيار عقلاني في لحظة إقليميَّة تميل فيها الأصوات المرتفعة إلى إفساد فرص التفاهم.

تتقدم المفاوضات الجارية في مسقط بوصفها اختبارًا حقيقيًّا لجديَّة النيَّات أكثر من كونها سباقًا نَحْوَ اتفاق سريع، وهو ما تعكسه التصريحات الصادرة عن طرفَي التفاوض، فإشادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأجواء المحادثات، وحديثه عن جولات مقبلة، تقابلها لهجة حذرة من وزير الخارجيَّة الإيراني عباس عراقجي الَّذي يربط تقدُّم المسار بتهيئة مناخ سياسي أكثر استقرارًا، وبتراجع منسوب التهديد، ما يكشف عن إدراك متبادل لحساسيَّة الملف النووي وخطورته على أمن المنطقة. ولعلَّ حصر المباحثات في هذا الملف يعكس محاولة واعية لضبط الخلاف داخل إطار قابل للإدارة، وتفادي تشعُّب المسارات في مرحلة دقيقة، في هذا المشهد تبرز مسقط كضامن هادئ لاستمراريَّة الحوار، لا كوسيط يسعى إلى إعلان اختراقات متعجلة؛ فالرِّهان العُماني يَقُوم على منع الانفجار قَبل السَّعي إلى الحل، وعلى تثبيت مسار تفاوضي قادر على الصمود أمام التقلُّبات السياسيَّة، لتكتسبَ الوساطة معناها الأعمق، بوصفها سياسة استقرار طويلة النفَس، تعي أنَّ حماية المنطقة من كلفة الصدام تُمثِّل في حدِّ ذاتها إنجازًا استراتيجيًّا في زمن تتآكل فيه فرص العقلانيَّة.