أيها الأحباب.. استكمالًا للأحداث التي كانت في شعبان وفضائله، ووقفنا عند صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو عدي بن حاتم الطائي ـ رضي الله عنه، (وقد قدم على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ بصدقات قومه عام الردة وهو الذي منعهم من الردة، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجلّه، وتوفي بالكوفة سنة ست وسبعون في أيام المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: سنة ثمان وسبعين، عن مائة وعشرين سنة، وقيل عن مائة وثمانين سنة، قاله أبو حاتم السجستاني في المعمرين، وحديثه في الأول والثامن والتاسع من الكوفيين) (حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح (2/153. 3ـ
وفي شهر شعبان تُوفِّي حبيبٌ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - وهو أول المهاجرين وفاةً في المدينة، وأول مَن دُفِن في بَقيعِ الغَرْقَدِ، وكان ممَّن حرَّم الخمرَ في الجاهلية، وقال:(لا أَشرُب شرابًا يُذهِب عقلي، ويُضحِك بي مَن هو أدنى مني)، فلما حُرِّمت الخمرُ، قال:(تبًّا لها، قد كان بصري فيها ثاقبًا)، وعن طريقه - رضي الله عنه - تعلَّمنا جوازَ تعليم القبر بحجرٍ ونحوه؛ ليُدفَن إليه مَن يموت مِن الأهل؛ فعن المطلب بن أبي وداعة - رضي الله عنه - قال:(لَمَّا مات عثمان بن مظعون، أُخرِجَ بجنازته فدُفِن، فأمَر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا أن يأتيَه بحجرٍ، فلم يستطع حملَه، فقام إليها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم - وحَسَرَ عن ذراعيه.. ثم حمَلها، فوضَعها عند رأسه، وقال: أتعلَّمُ بها قبرَ أخي، وأَدْفِنُ إليه مَن مات مِن أهلي»؛ صحيح سنن أبي داود) (تاريخ المدينة لابن شبة (1 /125 ..
ثالثًا ـ الانتصارات: (1) ـ كان أول في شعبان السرايا، وهي سرية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ـ الذي بعثه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ثلاثين راكبًا إلى تربة القريبة من الطائف، (وحينما علمت بطون هوازن الساكنة في تربة بذلك هربوا، فرجع عمر بأصحابه إلى المدينة، وكان ذلك في شعبان السنة السابعة من الهجرة) (نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم)، (2) ـ وفي شعبان من السنة الرابعة من الهجرة كانت غزوة بدر الأخرة، (وكان سببها أن أبا سفيان لم ينشط للوفاء بالميعاد الذي ضربه عند منصرفه من (أحد)، بل خرج من مكة متثاقلاً، يفكّر في عقبى القتال مع المسلمين، وهو- بعد - لمّا يتخذ لهذا القتال أهبته التي يودها. إن قومه هزموا في (بدر) على كثرة عددهم ووفرة عدتهم، واستخلصوا النصر في (أحد) بعد جهد فاشل، ولولا الخطأ الذي وقع فيه جيش التوحيد ما ظفرت قريش بهذه الغرّة؛ لذلك ما كاد أبو سفيان يقترب من (الظهران) حتى بدا له في الرجوع فصاح بقومه: يا معشر قريش! إنّه لا يصلحكم إلا عام خصيب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، وهكذا انسحبت قريش من المعركة المنتظرة، أما المسلمون فإنهم نفروا لملاقاة المشركين على استعداد وحماسة، حتى وصلوا إلى ماء (بدر) فعسكروا حوله، يعلنون وفاءهم بكلمتهم، وتأهبهم للحرب الموعودة، وظلوا ثمانية أيام يرتقبون مقدم أهل مكة، ويمسحون عن سمعتهم اخر ما تركت هزيمة (أحد) من غبار) (فقه السيرة للغزالي، ص286)، (3) ـ وفي الثاني من شعبان من السنة الخامسة للهجرة، كانت غزوة بني المصطلق، بعد أن بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ المشركين يَتهيَّؤون لقتاله والقضاء عليه، فخرَج لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فهزَمهم، وكان مِن أعظم دروسِها: نشرُ السِّلم الاجتماعي بين الناس، وإشاعةُ رُوح التآزُر والمحبَّة، فقد وقَعت جُويريَةُ - وهي ابنة سيد الحي الحارث بن ضرار - أسيرةً عند المسلمين، فحرَّرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتزوَّجها بعد أن استأْذَنها؛ .. وللحديث بقية.
د.محمود عدلي الشريف