وعن حدث تحويل القبلة وهو من أجل الحداث في الإسلام لأنه قد استقل المسلمون عن غيرهم، وتوجهوا إلى قبلة ارتضاها الله لنبيه، وتميزت شخصية المسلم، ولم تعد ذائبة في الآخرين، وأصبح التوجه إلى الكعبة أمرًا غاية في الأهمية حيث تخصيصنا بقبلة مستقلة، وتوجه متفرد، وعبادات خاصة تميزنا عن غيرنا من أهل الملل الأخرى، وأصبحنا متوحدين متفردين مميزين، لا ننساح في جنيا غيرنا، ولا نتبع إلا نبينا، ولا نتوجه إلا إلى كعبتنا، وبيت ربنا الرام، فالتميز صار في كل شيء: عبادة، وطاعة، وتوجّهًا، وحجًّا، وتفردًا، وتميزت شخصية المسلم عن كل من سواه، ويكفي أن نعبد الله في إطار قوله الكريم:(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة ـ 144).
.. وقد كانت تلك الكعبة أمنية غالية على قلب الرسول الكريم، حيث كان يقلِّب وجهه في السماء داعيًا، وباكيًا، ومُلحًّا وساجدُا أن يحول تَوَجُّهَهُ إلى الكعبة البيت الحرام.
إنّ تحويل القبلة من المسجد الأقصى في القدس إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة يُعدُّ من أهم الأحداث في شهر شعبان، فقد ظل المسلمون بعد الهجرة إلى المدينة يصلُّون تجاه المسجد الأقصى لمدة 16 شهرًا، وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم يتمنى أن تكون قبلته الكعبة المشرفة. استجاب الله لهذا التوجه، ونزل قوله تعالى:(فولِّ وجهَكَ شطرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كنتم فولوا وجوهَكم شطرَهُ) (البقرة ـ 144).
وقد كان هذا الحدثُ الجليلُ اختبارًا لكل المسلمين، حيث تَرَدَّدَ في قبوله بعضُ المنافقين، وتكلَّم بعضُ ضعافِ الإيمانِ في قبولِ هذا التحولِ، ولكنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - امتثلوا للأمر فورًا، وأصبحت الكعبة المشرفة - بفضل الله - هي قِبلة المسلمين وحدهم إلى يوم القيامة، وهذا التحويل للكعبة يؤكد في الحقيقة أن هذا الحدث الذي تم في شهر شعبان أنه ليس مجرد شهر تمهيدي لرمضان؛ بل هو شهر شهِدَ تغيراتٍ جوهريةً في مسيرة الإسلام؛ ممَّا يرسِّخ أهميته في قلوب المسلمين، فلا يجوز رفض أي تكليف شرعي، ولا أي أمر إلهي ورد في الكتاب الكريم، أو في سنة سيد المرسلين، فكان التحويل اختبارًا وابتلاء وتمحيصًا للمؤمنين، قال الله تعالى موضّحًا، ومبيّنًا السبب، والحكم، والعلة في كل هذا التحول:(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة 142ـ 144)، ورابعها: أن صيام رمضان الفضيل إنما كان في العاشر من شعبان، في السنة الثانية من الهجرة، وقبل غزوة بدر، فرض الله ـ سبحانه وتعالى ـ على المسلمين صيام شهر رمضان، حيث ذكر ذلك ابن كثير، وقال:(إنه في شعبان فُرِضَ صوم رمضان، وفُرِضَتْ كذلك زكاة الفطر قبله بيوم)، فهو مقدمة لرمضان من يوم أن فرض الصيام على أمة الإسلام، كما فرضت فيه زكاة الفطر التي جعلها الله سببًا في قبول الصيام، وقال:(طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين)، فكان شهر شعبان من الشهور المباركة بسبب نزول فرضية كل من الصيام والزكاة على المسلمين؛ ومن ثم فهو مقدمة حقيقية بمعنى الكلمة للشهر الفضيل والإعداد له، والتجهيز لمجرياته، وخامسها: وقوع غزوة بني المصطلق: حيث حَدَثَتْ تلك الغزوة في الثاني من شعبان، في السنة الخامسة للهجرة، التي وقعت بعد وصول أنباء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن المشركين يتأهبون، ويستعدون لقتاله، والقضاء عليه، فخرج لهم - عليه الصلاة والسلام - وقاتلهم، وانتصر عليهم، وكان من أهم نتائج هذه الغزوة وقوع السيدة جويرية ابنة سيد الحين الحارث بن ضرار أسيرة عند المسلمين، فحررها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتزوجها بعد أن أستأذنها، وأصبحت أمًّا من أمهات المؤمنين، وقد قالت عنها السيدة عائشة - رضي الله عنها - عندما عرف الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تزوج جويرية ـ:(أعتقوا ما في أيديهم من الأسرى)، وقالوا:(إن أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصح أن يكونوا عبيدًا وسبايا)، فكانت السيدة جويرية بنت الحارث أعظمَ النساءِ بركةً على قومها وأهلها.
وتأثر المسلمون في ذلك بتعاليم دينهم، من الكرم والعفو والصفح وإكرام زوجته المباركة بفكاك أسرى قبيلتها، وأقروا لها بذلك، وكانت من أسباب العفو عنهم، وإعادتهم إلى أهليهم، وأولادهم، ورحالهم، وسادسها ـ وقوع معركة الأرك التاريخية: حيث وقعت في التاسع من شعبان سنة (18 يوليو شعبان 1195، الموافق 9 من شهر شعبان عام 591 هـ، وقعت بين المغاربة بقيادة السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور، وقوات ملك قِشْتَالَةَ ألفونسو الثامن، وقد أطلقوا عليها (كارثة الأرك)؛ وذلك لفداحة، وخطورة، وعظم مصابهم فيها، حيث كتب ألفونسو الثامن رسالة يستهزئ فيها بالقائد المغربي، ويسخر منه، ويقلل من شأنه، وقيمته، فكتب له المنصور على ظهر الرسالة:(والله لَنَأْتِيَنَّكَ بجنودٍ لا قِبَلَ لكم بها، والجوابُ ما ترى لا ما تسمع)، وبالفعل سار إليه بجيش من (مائة ألف جندي)، مسيرة (ثلاثة) أيام، وقاتلهم قتالًا عنيفًا، متواصلًا، وانتصر عليهم، وشَرَّدَهم في الأرض بددًا، وأدبهم السلطان المنصور، وسميت تلك المعركة بهذا الاسم لحدوثها قرب قلعة (الأرك)، التي كانت نقطة الحدود بين قشتالة والأندلس في ذلك الوقت؛ ولذا ينسب المسلمون المعركة لهذه القلعة، كما ينسب المسيحيون اسم المعركة أيضا لهذه القلعة (Alarcos) ، ويطلقون عليها كارثة (الأرك) لعظيم مصابهم فيها، وسابعها: الاستيلاء على بيت المقدس: حيث تم ذلك في الثالث والعشرين من شهر شعبان سنة 492 هـ؛ إذ استولى الصليبيون على بيت المقدس، وأشاعوا فيه الخراب، والدمار، والفساد، وقاموا في يوم واحد بقتل 70 ألفًا من المسلمين، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين، وخيرة علمائهم، وجليل فقهائهم، ممن فارقوا أوطانهم؛ ليقيموا في هذا المكان المبارك، وينهضوا برسالة الدعوة، وتعليم المقدسيين، والدفاع عنه، فقتلوهم جميعًا، وذهبوا إلى ربهم شهداء في مسجده الأقصى في القدس الشريف، وثامنها: ولادة عبد الله بن الزبير: حيث وُلِدَ عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - في شهر شعبان، وقيل: ولد في شوال، وكان أول مولود في المدينة المنورة بعد الهجرة، وقد قالتْ أمُّه السيدة أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - أن المسلمين فرحوا بهذا المولود فرحًا شديدًا؛ لأنهم قيل لهم بأن اليهود قد سَحَرَتْهُمْ، فلا يولد للمسلمين مولود بعد ذلك، ولكن الله شاءت حكمته أن يكذب هذا الزعم، وَوُلِدَ عبد الله بن الزبير، وصار فيما بعد أمير المُؤمِنين وخليفةُ المُسْلِمين، وهو عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي (1 هـ - 73 هـ) صحابي من صغار الصحابة، وابن الصحابي الزبير بن العوام، وأمه السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهم جميعًا، وأرضاهم ـ وهو أول مولود للمسلمين في المدينة المنورة بعد هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم - إليها، وفارس قريش في زمانه، والمُكَنَّى بأبي بكر، وأبي خبيب، كان عبد الله بن الزبير أحد الوجوه البارزة التي دافعتْ عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه - حين حاصره الثائرون في أثناء فتنة مقتله، كما شارك في قيادة بعض معارك الفتوحات الإسلامية، ورفض ابن الزبير مبايعة يزيد بن معاوية خليفةً للمسلمين بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان، فأخذه يزيد بالشدة؛ مما جعل ابن الزبير يَعُوذُ بالبيت الحرام، ولم يمنع ذلك يزيد أن يرسل إليه جيشًا حاصره في مكة، ولم يُرْفَعِ الحصارُ إلا بوفاة يزيد نفسه سنة 64هـ، وبوفاة يزيد، وبعد تنازل الخليفة معاوية بن يزيد عن الحكم أعلن ابن الزبير نفسه خليفة للمسلمين، واتخذ من مكة عاصمة لحكمه، وبايعته الولايات كلها إلا بعض مناطق في الشام.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية